رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب حظراً بقي مفروضاً على الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان منذ عام 1985، لكنه لم يحدد موعداً لوصول أول طائرة أميركية إلى مطار بيروت، ولم تعلن أي شركة حتى الآن إدراج لبنان على جدول رحلاتها.

فالقرار الذي صدر خلال زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى واشنطن أزال العقبة السياسية الكبرى التي أقفلت الأجواء الأميركية أمام لبنان طوال 41 عاماً، لكنه لا يعني أن طائرة تابعة لـ”يونايتد” أو “دلتا” أو “أميركان إيرلاينز” تستطيع الإقلاع إلى بيروت في اليوم التالي.

بين قرار البيت الأبيض وأول رحلة مباشرة، تقف سلسلة من الإجراءات القانونية والأمنية والتشغيلية، إضافة إلى قرار الشركات نفسها، التي لا يمكن للإدارة الأميركية إجبارها على فتح خط إلى لبنان.

بدأ الحظر عام 1985، عقب خطف طائرة “TWA” الرحلة 847، عندما قرر الرئيس رونالد ريغان وقف خدمات النقل الجوي بين البلدين. ولم يقتصر القرار يومها على منع الطائرات الأميركية من الهبوط في بيروت، بل شمل منظومة أوسع من القيود المرتبطة بالنقل المباشر وبيع التذاكر وتشغيل الشركات اللبنانية في السوق الأميركية.

وخلال العقود اللاحقة، خففت واشنطن بعض القيود، وسمحت في مراحل معينة برحلات مرتبطة بالحكومة الأميركية أو بالمساعدات، لكنها أبقت المنع الأساسي على الرحلات التجارية المباشرة.

ما فعله ترامب هو إصدار توجيه سياسي إلى إدارته للسماح لشركات الطيران الأميركية بالعودة إلى لبنان. إلا أن هذا التوجيه يحتاج إلى ترجمة قانونية واضحة داخل المؤسسات الأميركية، وخصوصاً وزارة النقل، التي يفترض أن تصدر القرارات التنفيذية اللازمة لإلغاء أو تعديل الأوامر السابقة وتحديد تاريخ نفاذها.

كما يجب أن يحسم النص التنفيذي مسألة أساسية لم يتناولها إعلان ترامب بوضوح: هل يقتصر رفع الحظر على الناقلات الأميركية، أم يشمل أيضاً منح “طيران الشرق الأوسط” حق تشغيل رحلات مباشرة بين بيروت والولايات المتحدة؟

ترامب تحدث عن السماح للشركات الأميركية بالطيران إلى لبنان، وهذا لا يمنح “الميدل إيست” تلقائياً تصريحاً للهبوط في نيويورك أو واشنطن. الشركة اللبنانية تحتاج إلى موافقات أميركية مستقلة، تشمل الترخيص الاقتصادي والأمني والتشغيلي.

لكن العقبة القانونية قد تكون أسهل من الاختبار الأمني.

فأي مطار يستقبل رحلات أميركية مباشرة يخضع لتقييم تجريه إدارة أمن النقل الأميركية “TSA”، التابعة لوزارة الأمن الداخلي. ولا يقتصر هذا التقييم على أجهزة تفتيش الركاب والحقائب، بل يشمل كل الحلقة الأمنية داخل المطار.

سيدقق الأميركيون في كيفية دخول الموظفين إلى المناطق الحساسة، وآلية منح بطاقات المرور، وتفتيش الشحن والحقائب، وحماية الطائرات خلال وجودها على المدرج، ومراقبة شركات الخدمات الأرضية والتموين والصيانة، وقدرة الدولة على منع أي شخص أو جهة غير مخولة من الاقتراب من الطائرة.

وقد تطلب الإدارة الأميركية تخصيص إجراءات خاصة لرحلاتها، مثل تفتيش إضافي عند بوابة الصعود، أو ممر أمني مستقل، أو تشديد التدقيق في خلفيات العاملين، أو فرض رقابة إضافية على الشحن والتموين.

الحصول على موافقة أمنية أولى لا يعني انتهاء الملف. فالمطارات الأجنبية التي تتعامل مع شركات أميركية تبقى تحت المراجعة الدورية، ويمكن إعادة فرض تدابير إضافية إذا تغير مستوى الخطر أو ظهرت ثغرات جديدة.

أما التحدي الثاني، فيتعلق بالمجال الجوي المحيط بلبنان.

فالطائرة الأميركية لا تحتاج فقط إلى مطار آمن، بل إلى مسار تستطيع الشركة وشركة التأمين اعتبارهما مقبولين. ولبنان يقع إلى جانب المجال الجوي السوري، وفي منطقة شهدت صواريخ ومسيّرات وغارات وعمليات تشويش واضطرابات عسكرية متكررة.

أي شركة تفكر في تشغيل الرحلة ستحتاج إلى وضع خطط لمسارات بديلة، ومطارات احتياطية، ووقود إضافي، وإجراءات لتحويل الطائرة إذا أُغلق مطار بيروت بصورة مفاجئة، فضلاً عن ترتيبات لحماية الطاقم في حال وقع تصعيد أثناء وجوده في لبنان.

وتبرز هنا مفارقة لا يمكن تجاوزها.

فالبيت الأبيض يرفع الحظر عن الرحلات، فيما لا تزال وزارة الخارجية الأميركية تضع لبنان ضمن المستوى الرابع في تحذيرات السفر، أي “لا تسافروا”.

هذا التحذير لا يمنع الرحلات قانونياً، لكنه يجعل مهمة الشركات أكثر صعوبة. فكيف يمكن لشركة أميركية أن تسوّق خطاً إلى بلد تقول الحكومة الأميركية لمواطنيها إن عليهم عدم زيارته بسبب النزاع المسلح والإرهاب والخطف والاضطرابات؟

استمرار لبنان في المستوى الرابع يؤثر مباشرة في مجالس إدارة شركات الطيران، وشركات التأمين، والطيارين وأطقم الضيافة، والمؤسسات الأميركية التي تمنع موظفيها من السفر إلى الوجهات المصنفة شديدة الخطورة.

بعد ذلك يأتي القرار التجاري.

ترامب يستطيع إزالة الحظر، ووزارة النقل تستطيع إصدار الموافقات، و”الأمن الداخلي” يستطيع المصادقة على إجراءات المطار، لكن لا أحد يستطيع فرض خط بيروت على شركة طيران أميركية.

كل شركة ستدرس حجم السوق، وعدد الركاب، ونسبة إشغال الطائرة، وأسعار التذاكر، وحجم الطلب على درجة رجال الأعمال، وكلفة الوقود والتأمين، وقدرتها على تشغيل الخط طوال السنة، لا خلال الصيف والأعياد فقط.

هناك سوق لبنانية وعربية كبيرة في الولايات المتحدة، وخصوصاً في نيويورك ونيوجيرسي وميشيغان وماساتشوستس وأوهايو. وآلاف المسافرين ينتقلون سنوياً بين البلدين عبر محطات في أوروبا وتركيا ودول الخليج.

لكن وجود المسافرين لا يكفي وحده.

الشركة الأميركية ستنافس شركات تملك حضوراً قديماً في السوق اللبنانية وشبكات ربط واسعة، مثل “الخطوط التركية” و”إير فرانس” و”لوفتهانزا” وشركات الخليج، إضافة إلى “طيران الشرق الأوسط”.

كما ستواجه كلفة إضافية ناجمة عن التأمين ضد مخاطر الحرب والإرهاب. وقد تحصل الشركة على الموافقات الرسمية، ثم تكتشف أن تأمين طائرة قيمتها مئات ملايين الدولارات خلال وجودها في مطار بيروت يجعل الرحلة غير مربحة.

وقد ترفض الشركات أيضاً مبيت أطقمها في لبنان، ما يفرض تشغيل الرحلة بطريقة تسمح بوصول الطائرة ومغادرتها خلال وقت قصير، أو إرسال طاقمين، أو وضع ترتيبات إقامة وحماية خاصة.

ومن الناحية العملية، فتح خط جوي بعيد المدى لا يحصل خلال أيام.

الشركة تحتاج إلى تخصيص طائرة، وإعداد جدول الرحلات، وتدريب الطواقم، والتعاقد مع شركات الخدمات الأرضية والصيانة والتموين، والحصول على فتحات زمنية في المطارات، وإدخال الرحلة إلى أنظمة الحجز، وبدء بيع التذاكر قبل أشهر من موعد الإقلاع.

أما الدولة اللبنانية، فلا تستطيع الاكتفاء باعتبار إعلان ترامب إنجازاً مكتمل العناصر.

المطلوب تشكيل خلية عمل تضم رئاسة الحكومة ووزارتي الخارجية والأشغال والمديرية العامة للطيران المدني وإدارة مطار بيروت والأجهزة الأمنية و”طيران الشرق الأوسط”.

مهمة هذه الخلية تبدأ بالحصول على النص التنفيذي الأميركي الكامل، ثم طلب إرسال فريق من “TSA” لتقييم المطار، ومعالجة الملاحظات التي يضعها، بالتوازي مع إعداد ملف تجاري يعرض على الشركات الأميركية.

هذا الملف يجب أن يتضمن أعداد المسافرين الفعلية بين لبنان والولايات المتحدة، والمدن التي ينطلقون منها، والأسعار الحالية، وحجم الطلب الموسمي، وإمكانات الشحن، والحوافز التي يمكن تقديمها لتخفيض كلفة السنة الأولى.

أما الاحتمال الأقرب، فهو أن يمر الملف في واحدة من 3 مراحل.

إما أن تتحرك الإدارة الأميركية سريعاً، ويجتاز مطار بيروت الاختبارات، فتعلن شركة أميركية رحلة موسمية أو محدودة خلال الأشهر المقبلة.

وإما أن يدخل رفع الحظر حيز التنفيذ القانوني، لكن تؤجل الشركات عودتها إلى حين انخفاض المخاطر وتعديل تحذير السفر وتحسن شروط التأمين.

وإما أن تبدأ العودة بصورة تدريجية، عبر رحلات قليلة أسبوعياً أو خدمة موسمية أو اتفاقات رمز مشترك موسعة، قبل الانتقال إلى خط ثابت طوال العام.

رفع حظر بقي 41 عاماً هو بلا شك إنجاز سياسي ودبلوماسي كبير تحقق خلال زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن.

لكنه ليس إعلاناً بأن الطائرة الأميركية ستهبط غداً في بيروت.

ترامب فتح الباب، لكن بين الباب والمدرج تقف وزارة النقل ووزارة الأمن الداخلي وإدارة الطيران الفيدرالية وشركات التأمين وإدارات شركات الطيران.

يبقى السؤال إذاً ليس ما إذا كانت واشنطن سمحت بالطيران إلى لبنان، بل من ستكون الشركة الأولى التي تقتنع بأن بيروت أصبحت وجهة آمنة ومربحة وقابلة للاستمرار.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version