خلف الأسوار العالية لسجن رومية، لا تتوقف الأزمة عند حدود الاكتظاظ أو تردّي الظروف المعيشية، بل تتعداها، وفق شهادات حقوقية، إلى واقع أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث تتداخل الجريمة المنظمة مع الفساد، وتتحول المؤسسة العقابية من مكان للإصلاح إلى بيئة تُنتج مزيدًا من الانحراف، في مشهد يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة الدولة على فرض سلطتها داخل أكبر سجون لبنان.
هذا الواقع تضعه الناشطة الحقوقية والمحامية مريانا برو في إطار ما تصفه بـ”إمارة رومية”، معتبرة أن السجن بات أشبه بدولة داخل الدولة، حيث “العصابات المنظمة هي التي تتحكم بمفاصل الحياة داخل السجن، سواء عصابات المخدرات أو السرقة أو التزوير أو الاحتيال، فيما يخضع كل شيء لمنطق المال والنفوذ”.
وبحسب برو، فإن الفارق بين السجين الفقير والسجين المقتدر ماليًا لا يقتصر على مستوى المعيشة، بل يصل إلى حد التحكم بمصير كل منهما، إذ إن “السجين المقتدر ماليًا يفرض سلطته داخل السجن، بينما يتحول السجين الفقير إلى ضحية، قد يُحرم من الدواء أو الاتصال بأهله أو حتى من أبسط مقومات الحياة، ويضطر إلى القيام بأعمال خدمية مقابل لقمة طعام”.
ولا تقف المشكلة عند هذا الحد، إذ ترى أن رومية لم يعد يؤدي وظيفة إصلاح المحكومين، بل تحول إلى بيئة تُنتج الجريمة، موضحة أن “متعاطي المخدرات قد يدخل السجن كمستهلك، لكنه يخرج منه مروجًا أو تاجرًا، نتيجة الشبكات التي تنشط داخله”.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز تجارة المخدرات كواحدة من أخطر الملفات، إلا أن برو تعتبر أن “تجارة المخدرات داخل السجن لا يمكن أن تتم بعناصر صغار فقط”، مشيرة إلى أن “حجم العمليات يطرح علامات استفهام كبيرة حول وجود جهات نافذة تؤمن الغطاء لاستمرار هذا الواقع، لأن عمليات إدخال الممنوعات بهذا الحجم لا يمكن أن تتم من دون تواطؤ على مستويات أعلى”.
كما تلفت إلى أن المال يفرض سطوته حتى على وسائل التواصل مع العالم الخارجي، إذ “يمتلك السجين الميسور هواتف خلوية ويدير من خلالها أعمالًا وعمليات خارج السجن، فيما يعجز السجين الفقير عن إجراء اتصال واحد بعائلته لعدم امتلاكه المال”، معتبرة أن “هذا الواقع يؤكد أن العدالة داخل السجن تخضع للقدرة المالية لا للقانون”.
أما الواقع الإنساني، فلا يبدو أقل قسوة. فالاكتظاظ، وانتشار الأمراض، ورداءة الغذاء، وضعف الرعاية الطبية، تشكل، وفق برو، أزمة يومية يعيشها السجناء، ولا سيما الفقراء منهم الذين يعجز ذووهم عن زيارتهم أو تأمين احتياجاتهم الأساسية.
وترى أن هذه الصورة ليست منفصلة عن الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة، إذ إن “الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة انعكس أيضًا على ظروف العسكريين، ما ساهم في تفاقم الفوضى داخل السجن”.
وتؤكد برو أن ما يجري داخل رومية ليس وليد السنوات الأخيرة، بل هو مسار راكمته سنوات طويلة من غياب المحاسبة، مشيرة إلى أنها تابعت على مدى أكثر من 17 عامًا ملفات تتعلق بترويج المخدرات والابتزاز والاعتداءات وتشكيل العصابات داخل السجن، معتبرة أن “هذه الظواهر ليست جديدة، لكنها تفاقمت مع غياب المحاسبة واستمرار الفساد”.
وانطلاقًا من ذلك، ترى أن أي معالجة جدية يجب أن تبدأ من ملاحقة المسؤولين عن منظومة الفساد، لا الاكتفاء بمحاسبة صغار الموظفين، مشددة على أن “أي تحقيق جدي يجب أن يطال المسؤولين الكبار، لأن الاقتصار على محاسبة الحلقة الأضعف لن يغيّر شيئًا من الواقع”.
وفي موازاة ذلك، تدعو إلى اعتماد آلية رقابة مختلفة تقوم على زيارات تفتيش مفاجئة وغير منسقة إلى سجن رومية، تنفذها الجهات القضائية والرقابية، مع توثيق كل المخالفات المرتبطة بالتعذيب أو المخدرات أو نشاط العصابات أو الأوضاع الصحية، تمهيدًا لمحاسبة المسؤولين عنها.
وفي خلاصة قراءتها، تشدد برو على أن “السجن يجب أن يكون مؤسسة إصلاح لا مصنعًا لإنتاج المجرمين”، معتبرة أنه “في الدول التي تحترم العدالة، يدخل السجين ليخرج شخصًا أفضل. أما في رومية، فالفقير يدخل مظلومًا ويخرج أكثر يأسًا أو انحرافًا، فيما يتحول أصحاب النفوذ إلى أباطرة يديرون إمبراطورياتهم من خلف القضبان، وهذا أخطر ما يمكن أن يواجهه أي نظام عدالة”.
