تجد تركيا نفسها أمام معادلة عسكرية ودبلوماسية شديدة التعقيد، بعدما بدأت البحث عن مخرج لأزمة منظومات “إس-400” الروسية، في محاولة لإزالة الاعتراض الأميركي على عودتها إلى برنامج مقاتلات “إف-35″، من دون الاصطدام بموسكو التي وصفت الملف بأنه «حساس للغاية».
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، تحاول أنقرة منذ زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تركيا إقناع واشنطن بأنها تتجه نحو بيع منظومات الدفاع الروسية التي تحول دون انضمامها مجددًا إلى مشروع «إف-35».
وأكد وزير الدفاع التركي يشار غولر أن بلاده تجري اتصالات مع «دول ثالثة» بشأن مستقبل منظومات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى من طراز «إس-400»، التي اشترتها من روسيا.
ويشير هذا التحرك إلى إمكان فتح الطريق أمام معالجة واحدة من أعمق الأزمات الدبلوماسية والعسكرية التي شهدتها العلاقات التركية–الأميركية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن المسعى التركي يبدو أكثر تعقيدًا من تصريحات حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، في ظل الحاجة إلى موافقة موسكو على أي خطوة من هذا النوع.
وكانت الأزمة قد بدأت في 12 تموز 2019، مع هبوط طائرات النقل الروسية العملاقة من طراز «أنتونوف أن-124 رسلان» في قاعدة مرتد الجوية، المعروفة أيضًا باسم قاعدة أكينجي، قرب أنقرة، حاملةً أجزاء من منظومات «إس-400».
وقد تشهد هذه القضية الآن تحولًا حادًا، في ضوء التصريحات الرسمية والردود التي نشرتها وزارة الدفاع التركية وقيادة الكرملين على أسئلة الصحافيين وأعضاء البرلمان.
وفي إجابات خطية قدّمها غولر إلى البرلمان التركي، خلال نقاش حاد بشأن إمكان بيع المنظومات الروسية إلى دولة ثالثة كحل يسمح برفع الاعتراض الأميركي، كشف الوزير عن حصول تقارب مع الإدارة الأميركية.
وقال غولر: «في المسار الجاري حاليًا، والذي يشهد زخمًا إيجابيًا على المستويين العسكري والسياسي مع الولايات المتحدة، يجري البحث عن حلول من خلال التفاهم المتبادل والتعاون في القضايا العالقة من الماضي، والتي ترتبط أيضًا بدول ثالثة».
وشدد مجددًا على أن خطط الدفاع الوطني التركية تُنفذ بدقة ومهنية، مع الأخذ في الاعتبار تحليلات التهديدات الراهنة والمستقبلية.
ويأتي تصريح غولر بعد موقف سابق أعلنه مسؤول رسمي في وزارة الدفاع التركية الأسبوع الماضي، عقب إحاطة صحافية داخل منشآت شركة «هافلسان»، أكد فيه أن العمل المتعلق بمنظومات الدفاع الجوي مستمر «على عدة جبهات».
وأضاف المسؤول آنذاك أن «التطورات الملموسة في هذا الملف ستُشارك مع الرأي العام عندما تحدث فعليًا».
في المقابل، تثير إمكانية بيع تركيا منظومات السلاح الروسية إلى طرف ثالث، بهدف الإفلات من العقوبات الأميركية وفتح الطريق أمام العودة إلى صفقة المقاتلات الغربية، حالة من الترقب والتوتر الواضح في موسكو.
وتناول المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الجمعة الماضي، التقارير المنشورة في الإعلام التركي، واصفًا مسألة منظومات «إس-400» بأنها موضوع «حساس للغاية».
وعندما سُئل عما إذا كانت أنقرة قد طلبت موافقة موسكو على بيع المنظومات إلى دولة ثالثة، وكيف ردت روسيا على طلب من هذا النوع، امتنع بيسكوف عن تقديم جواب مباشر.
واكتفى بالقول إن القضية «تندرج ضمن فئة المواضيع شديدة الحساسية»، لكنه أكد رسميًا أن موسكو أجرت، ولا تزال تجري، اتصالات متواصلة ومباشرة مع الجانب التركي بشأن هذا الملف الشائك.
وبين رغبة أنقرة في العودة إلى برنامج «إف-35»، وتمسّك موسكو بنفوذها في ملف «إس-400»، يجد أردوغان نفسه عالقًا بين ترامب وبوتين، في صفقة قد تفتح أمام تركيا أبواب السلاح الغربي، لكنها قد تحمل في المقابل كلفة سياسية ثقيلة مع روسيا.
