كتب نجم الهاشم في نداء الوطن
من الأساس لم يحب “حزب الله” جوزاف عون. لا عندما كان ضابطًا ثم قائدًا للجيش ولا عندما صار رئيسًا للجمهورية. عطّل جلسات انتخاب رئيس للجمهورية منذ 30 تشرين الأول 2022 تاريخ آخر يوم في ولاية الرئيس السابق العماد ميشال عون، لأنّه كان يدرك أنّ مرشّحه سليمان فرنجية رئيس “تيار المردة” من الصعب أن يصل إلى بعبدا، ولأنّه كان يعرف أن جوزاف عون هو المرشّح الأوفر حظًّا.
لا يبني “حزب الله” موقفه من موضوع رئاسة الجمهورية وأي مرشح لتولّي هذا المنصب من حسابات عاطفية أو شخصية، بل من خلفيات سياسية واستراتيجية بما يخدم أهدافه ودوره وما يريده من الرئيس والرئاسة، وبما يتوفّر لديه من معلومات عن الشخص الأكثر حظًّا في الوصول. لذلك ومن باب الحيطة والحذر وبناء القرار وقراءة التوقعات، بنى شبكة مصادر وفّرت له كمية من المعلومات عن شخصية جوزاف عون وعن علاقاته وأهدافه. وعلى هذا الأساس كان قراره برفض وصوله إلى قصر بعبدا مهما كان الثمن.
عندما جرّب لحّود
لم يكوِّن “الحزب” هذا القرار بعد حرب الإسناد التي زجّ لبنان فيها دعمًا لحرب حركة “حماس” في غزّة. بل كان قرارًا اتخذه السيد حسن نصرالله عن سابق وعي ودراسة وتأنٍّ لأنّه ما كان من الممكن أن يغامر بأقلّ قدر من التنازلات في الموضوع الرئاسي. لاستكشاف مثل هذا التقدير لموقفه يمكن العودة إلى مرحلة العام 2004 وصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي الذي طالب بانتخابات رئاسية وفق الدستور وعدم التمديد للرئيس إميل لحود، وبنزع سلاح “الحزب” وسحب الجيش السوري من لبنان. في ذلك الوقت أشار نصرالله على رئيس النظام السوري بشار الأسد، بالتمديد للحّود لأنّه لم يكن واثقًا حتى من سليمان فرنجية ولا من قدرته على تأمين ما يمكن أن يؤمّنه له لحّود على قاعدة أنّ “لحّود جرّبناه ومن الأفضل أن يبقى”.
من العام 2005 حتى اليوم لم تتغيّر مسألة كيفية تعاطي “حزب الله” مع الموضوع الرئاسي، ومع موضوع كل مؤسسات الحكم، من الانتخابات النيابية إلى تشكيل الحكومات وتسمية من يرأسها وتعيين القضاة والضباط والمحافظين والموظفين. أراد “حزب الله” أن يرِث دور النظام السوري في لبنان، وأن يحوّل من مقرّه في حارة حريك “عنجر” ثانية وعنوانًا لحكم لبنان من وراء الستار، لكي يؤمِّن استمراية مشروعه وبناء قدراته العسكرية لتحقيق هدفه النهائي بالسيطرة على لبنان وعلى قرار سائر الطوائف.
“الحزب” كقوة ردع
حاول الحزب فرض نفسه كقوة ردع من خلال خطوات كثيرة ترهيبية:
• تجاوز القرار 1559 واغتال الرئيس رفيق الحريري وعارض تشكيل لجنة التحقيق الدولية ثم المحكمة الدولية.
• خاض حرب تموز 2006 لكي تكون انقلابًا على القرار 1559 وليحتمي بمسألة الحرب حتى يظلّ محتفظًا بسلاحه بعد خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005.
• فرض الفراغ بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود الذي قاتل للتمديد له ومنَعَ انتخاب أيّ رئيس آخر غيره لأنّ الأكثرية النيابية لم تكن مؤيّدة له وتمنعه من فرض الرئيس الذي يريده، ولكن تسمح له بالتعطيل من خلال الثلث المعطّل للنصاب.
• نفذ انقلاب 7 أيار 2008 ضد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. ومن خلال تفاهم الدوحة انقلب على الطائف وفرض أن يكون له حق الفيتو على أعمال الحكم والحكومة من خلال حصوله على الثلث المعطّل الوزاري. ومن هذه الزاوية يمكن فهم قبوله بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية لأنّه كان يراهن من خلال تحالفه مع “التيار الوطني الحر” على الحصول على الأكثرية النيابية وهو ما لم يستطع تحقيقه في انتخابات 2009 فاستمر في تنفيذ الانقلابات الأمنية والسياسية وأسقط حكومة الرئيس سعد الحريري ليـأتي بعدها بحكومات يشرف على عملها.
• عطّل الانتخابات الرئاسية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان ليفرض مرشحه ميشال عون رئيسًا بعد عامين ونصف من الفراغ. وهذا الأمر مكّنه من التحكّم بكامل ولاية عون. ولذلك فرض التعطيل بعده لمنع وصول العماد جوزاف عون.
فشل الانقلاب على عون
لا ينبع رفض “الحزب” لانتخاب جوزاف عون من شخصية عون فقط. ففي قيادة الجيش لم يكن العماد جوزاف عون مخاصمًا لـ”الحزب” بل مكمِّلا لما كانت تعتمده السلطة السياسية طوال عهد الرئيس ميشال عون من مراعاة لـ”الحزب” إلى حدّ التنازل له عن كل الصلاحيات والمسؤوليات.
ولكن بسبب التطورات السياسية والاختلاف مع “التيار الوطني الحر” حول انتخاب مرشّحه سليمان فرنجية رئيسًا، فرض التعطيل مرّة جديدة وهو كان يدرك أن العماد جوزاف عون هو الأوفر حظًّا.
يريد “حزب الله” من الرئيس، أي رئيس، أن يكون مطواعًا له وعاملا عنده، ومجرّد صورة أو “خيال صحرا” في القصر الجمهوري. ولذلك عطّل النصاب في جلسات الانتخاب. وعندما انصاع للرغبة اللبنانية والدولية ووافق على انتخاب جوزاف عون رئيسًا كان ذلك بسبب هزيمته العسكرية في حرب الإسناد وموافقته على قرار وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، بعد اغتيال أمينه العام السيد حسن نصرالله ومعظم قادته. وهو كان يتراجع من أجل التحضير للانقلاب على العهد الجديد كما فعل في مرحلة 2005 و2006.
لا يعارض الحزب الرئيس جوزاف عون، بل يتّهمه بالخيانة. وهو مع أنصاره لا يستطيع أن يبلع قصة الموافقة على انتخابه ومسألة تمسّكه بالقرار الحرّ وباسترجاع سيادة الدولة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني. لم يكن “الحزب” يتصوّر أنّ عون يمكن أن يذهب إلى هذا الحدّ في مخاصمته وفي تحرير القرار من سلطته، وهو الأمر الذي لم يعتد عليه منذ العام 1992.
من الكره ما قتل
أن يذهب عون إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فهذا بالنسبة إلى “حزب الله” الخيانة العظمى. وأن يوافق على التفاوض المباشر مع إسرائيل وعلى “صيغة الإطار”، ومن خلالها على ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح “الحزب”، فهي العمالة بحدّ ذاتها. يريد “الحزب” من الرئيس عون أن يذهب إلى واشنطن وأن يفرض على ترامب وعلى إسرائيل أن تسحب جيشها من لبنان من دون قيد أو شرط. هذا الأمر قد يدفع “الحزب” إلى الجنون. أولا لأنّه لا يتمكن من وقف هذا المسار. وثانيًا لأنّه لا يمكنه تخويف عون والرئيس نواف سلام الذي يضعه في الخانة نفسها، وهو كذلك بالفعل، ولأنّه فشل في جعل سلام يخاصم عون. وثالثًا لأنّه عاجز عن التخلّص من عون.
اعتاد “حزب الله” أن يجعل الحكم غير قابل للحياة من خلال جمع التناقضات: رئيس جمهورية ينسق معه ويتبع له. رئيس حكومة يتبع له ولا يتوافق مع رئيس الجمهورية. قائد جيش لا يتفق مع رئيس الجمهورية وإلى جانبه ضباط موالون للحزب. مدير مخابرات لا يتفق مع قائد الجيش. حكومة لا يمكن أن تأخذ أي قرار يتعارض مع سياسة “الحزب” ويمكنه إسقاطها في أي وقت وتشكيل غيرها تكون أكثر ولاء له كما حصل في حكومات عهد الرئيس ميشال عون.
لكل هذه الأسباب يكره “حزب الله” الرئيس جوزاف عون. ومن الكره أيضًا ما قتل، حتى أنه قد يقتل صاحبه.
