كتبت كريستال النوار في موقع Jnews Lebanon

لم تعد جودة الحياة مرتبطة فقط بالراتب أو المنزل أو السيارة أو حتّى بالسفر. في السنوات الأخيرة، تغيّر هذا المفهوم وأصبح مرتبطاً أكثر بكيفية عيشنا لأيامنا، وبقدرتنا على الانتباه لما يحدث حولنا، لا لما يظهر على شاشاتنا المتنقّلة بين أيدينا.

في الصباح، نستيقظ على الهاتف. في الطريق إلى العمل، نُتابع الأخبار أو الفيديوهات. خلال الاستراحة، نتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي. وحتّى قبل النوم، تكون الشاشة آخر ما نلجأ إليه… هكذا تمرّ ساعاتٌ طويلة من اليوم، فيما تتراجع المساحة المخصّصة للحياة نفسها. وفي نهاية اليوم، قد يكون السؤال الأصعب الذي يُمكن أن يطرحه الإنسان على نفسه: “ماذا عشت اليوم”؟ فقد أصبح الهاتف المكان الذي نعيش فيه الجزء الأكبر من حياتنا. وبين كلّ إشعار وآخر، تمرّ لحظات كان يمكن أن تكون ذكرى أو حديثاً مميّزاً مع شخصٍ نحبّه أو استراحة حقيقيّة مع أنفسنا.
هل تُلاحظون كم أصبحت الأيام “سريعة”؟ لدرجة أنّ كثيرين ينهون يومهم من دون أن يتذكّروا تفاصيله. انطلاقاً من هنا، بات الخبراء يقيسون جودة الحياة بقدرة الفرد على الشعور بالرضا وبنوعية علاقاته وصحته النفسية والجسدية، وبالوقت الذي يُخصّصه لِما يمنحه معنى، لا لما يستهلك يومه. هذا ما تتوافق معه منظمة الصحة العالمية، التي تربط جودة الحياة بالطريقة التي ينظر فيها الإنسان إلى حياته ضمن واقعه، وبمدى رضاه عن صحته وعلاقاته وبيئته وأهدافه؛ أي أنها تبدأ من الداخل، قبل أن ترتبط بأي وضع خارجي.
وتُظهر دراسات عدّة، أنّ الاستخدام المفرط للشاشات يرتبط بارتفاع مستويات التوتر والقلق والشعور بالعزلة وتراجع جودة النوم وضعف التركيز، وحتى انخفاض الرضا عن الحياة. في المقابل، بيّنت الأبحاث أنّ تقليل استخدام الهاتف والشارات ولو لساعة أو ساعتين يوميًّا، ينعكس إيجاباً على المزاج والعلاقات الاجتماعية والإنتاجية.

قد يبدو الحديث عن جودة الحياة في لبنان بعيداً قليلاً من الأولويات، في ظلّ الضغوط والهموم المعيشيّة، إلا أنّ الأزمات نفسها جعلت كثيرين يُعيدون النظر في معنى الحياة الجيّدة. فبعد سنواتٍ من القلق، باتت اللحظات البسيطة أكثر قيمة من أيّ وقت مضى: الجلوس مع العائلة، زيارة شخص نحبّه، المشي في الطبيعة، احتساء القهوة بهدوء، الاستمتاع بالصمت… كلّها تفاصيل كانت عادية لكنّها تحوّلت اليوم إلى رفاهية حقيقيّة.
وتؤكّد دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا أنّ تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى نحو 30 دقيقة يوميًّا انعكس انخفاضاً في الشّعور بالوحدة والاكتئاب خلال فترة قصيرة. كما بيّنت دراسات أوروبية أنّ الوقت الذي يمضيه الفرد مع العائلة والأصدقاء أو في الطبيعة ينعكس مباشرةً على مستوى رضاه عن حياته.
المفارقة أنّ العالم أصبح أكثر اتصالاً من أيّ وقت مضى، فيما يشعر كثيرون بأنّهم أقلّ قرباً من أنفسهم ومن الآخرين. المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها بل في المساحة التي أصبحت تحتلّها من حياتنا، فكلّ دقيقة نقضيها في متابعة ما يفعله الآخرون، نخسر فيها تفاصيل مهمّة من يوميّاتنا. فالحديث مع شخص آخر وجهاً لوجه أصبح مملاً بالنسبة للبعض فيما يمتدّ تصفّح الهاتف لساعات، والرحلات تُوثَّق أكثر ممّا تُعاش، والوجبات تُصوَّر أكثر ممّا يُستمتَع بها، حتّى باتت الذكريات محفوظة في ذاكرة الهاتف أكثر من الذاكرة الإنسانيّة.

تحوّل الهاتف مِن أداةٍ نستخدمها إلى مساحةٍ تستحوذ على أيامنا وعقولنا. فالحياة لا تُقاس بعدد الصّور التي نلتقطها، ولا بعدد الإشعارات التي تصلنا، بل بعدد اللحظات التي نعيشها فعلاً.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version