لم تكن جريمة قتل السوري علي إبراهيم وزوجته خديجة حادة داخل منزلهما في محلة صبرا، حي الباشا، مجرد عملية سلب انتهت بمقتل الضحيتين، بل سرعان ما تحولت إلى ملف جنائي معقد، بعدما كشفت التحقيقات أن المنفذين راقبوا المنزل، واستفادوا من معرفة دقيقة بمداخله، ودخلوا إليه عبر السطح قبل قتل الزوجين وسرقة خزنة حديدية تحتوي على مجوهرات وأموال.

وتعود وقائع الجريمة إلى فجر 5 أيار 2026، عندما استيقظ أطفال العائلة على أصوات غريبة داخل المنزل، قبل أن يعثر أفراد العائلة والجيران على علي إبراهيم مصابًا بطلق ناري في وجهه، وعلى زوجته خديجة حادة مصابة بطلقات في الرأس والصدر.

ونُقل إبراهيم إلى مستشفى الساحل، فيما نُقلت زوجته إلى مستشفى المقاصد، إلا أن كليهما فارق الحياة متأثرًا بإصاباته.

وعلى الفور، باشرت فصيلة بئر حسن التحقيقات الأولية بإشراف المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي بلال حلاوي، فيما انتقل خبراء الأدلة الجنائية والطبيب الشرعي إلى مكان الجريمة لإجراء الكشف الفني وتحديد مسار إطلاق النار.

وأظهرت المعاينات أن المنزل تعرض لتفتيش دقيق، وأن محتويات الغرف بُعثرت بالكامل، فيما اختفت خزنة حديدية كانت موضوعة داخل إحدى خزائن غرفة النوم.

وبحسب إفادة والدة المغدور، أمال محمد شعبان، كانت الخزنة تحتوي على مصاغ ذهبي ومجوهرات عائدة إلى عدد من أفراد العائلة، تُقدّر قيمتها بنحو 30 ألف دولار، إضافة إلى مبالغ مالية.

وبيّن تقرير الطبيب الشرعي أن علي إبراهيم أصيب بعيار ناري اخترق وجهه واستقر داخل الجمجمة، متسببًا بنزيف دماغي قاتل وتوقف في عمل القلب، فيما أصيبت خديجة حادة بطلق ناري في الرأس وآخر في الصدر أدى إلى وفاتها.

وشكلت إفادة القاصر رهف علي إبراهيم نقطة التحول الأولى في التحقيق، إذ كانت داخل المنزل لحظة وقوع الجريمة، وشاهدت جزءًا من تحركات المنفذين.

وبحسب ما ورد في المحاضر، استيقظت رهف قرابة الساعة 5:55 فجرًا، ورأت والدها علي إبراهيم يقف قرب باب المنزل رافعًا يديه، بينما كان شخص يرتدي قميصًا أبيض وسروالًا أسود يواجهه، قبل أن يطلق النار عليه، فيما كان شخص ثان يرتدي لباسًا أسود يرافقه.

وطلبت رهف من الأطفال الاختباء تحت الأغطية والتظاهر بالنوم، قبل أن تسمع صوت امرأة تتحدث مع المنفذين عبر الهاتف، وترشدهما إلى تفتيش الخزائن والبحث عن الأموال.

وتضمنت إفادتها أن المسلحين كانا يتواصلان مع امرأة بواسطة تقنية الاتصال المرئي، وأن المرأة كانت تتابع تحركاتهما داخل المنزل وتعطيهما تعليمات، قبل أن تسمع صراخًا وإطلاق نار داخل الغرفة التي كانت توجد فيها خديجة.

كما أفادت بأن إحدى الطفلتين دخلت إلى الغرفة وهي تبكي، وأبلغتها أن والدتها قُتلت، وأن المسلحين هدداها بالقتل إذا لم تُسكت شقيقتها الصغيرة.

ولم تتمكن رهف من رؤية وجهي المنفذين بسبب الأقنعة، إلا أنها تعرفت لاحقًا إلى الملابس نفسها التي ظهرت في تسجيلات كاميرات المراقبة.

وأظهرت مراجعة الكاميرات خروج شخصين من المبنى بعد نزولهما من سطح البناء. وكان أحدهما يرتدي لباسًا أبيض ويحمل الخزنة الحديدية، فيما ظهر الآخر بلباس أسود، قبل أن يعمد أحدهما إلى قطع التيار وفصل المحولات الكهربائية الموجودة في المبنى.

وبحسب التسلسل الزمني المستخرج من التسجيلات، بدأت تحركات الشخصين بعيد الساعة 6:00 صباحًا، قبل أن يغادرا المبنى حاملين الخزنة ويتوجها نحو الحي الغربي في صبرا.

ومع تقدم التحقيقات، برز اسم أحمد توسكا، وهو من سكان المنطقة وكان يعرف الضحية ويتردد إلى سطح البناء.

وتبين للمحققين أن توسكا كان يعرف تفاصيل المبنى، ويعلم بوجود منفذ يؤدي من السطح إلى منزل علي إبراهيم، الأمر الذي عزز الشبهات بشأن احتمال دوره في تسهيل دخول المنفذين.

أما الدليل الأكثر حساسية، فكان مفتاح باب السطح.

فقد أفادت ملكة هادي، وهي من سكان البناء، بأن أحمد توسكا طلب منها قبل نحو شهر من الجريمة استعارة مفتاح السطح، مدعيًا أن علي إبراهيم طلب منه ذلك.

وبعد مدة، اختفى المفتاح الذي كان يُترك عادة في مكان معروف قرب المدخل، قبل أن يُعثر عليه يوم وقوع الجريمة داخل قفل باب السطح.

وأوضحت الإفادات أن باب السطح لم يكن يملك سوى مفتاحين، وأن أحمد توسكا كان يتردد بصورة مستمرة إلى السطح، فضلًا عن معرفته بإمكان الدخول من جهته إلى منزل الضحية.

كما ظهر اسم شقيقه عبد الفتاح توسكا، المرتبط بخطوبة مع براء ياسر حمامة التي كانت تقيم في البناء نفسه، وهو ما منح توسكا معرفة إضافية بحركة السكان والمداخل.

وفي موازاة ذلك، أظهرت دراسة داتا الاتصالات وجود تواصل بين أحمد توسكا وعدد من الأشخاص الذين برزت أسماؤهم خلال التحقيق، فضلًا عن نشاط واتصالات في الساعات والأيام التي سبقت الجريمة.

وكشفت إفادة أمال شعبان أن ابنها كان يعيش حالة قلق شديد قبل مقتله بيوم واحد.

وقالت إنها التقت علي إبراهيم في 4 أيار، قرابة الساعة 11:45 قبل الظهر، ولاحظت أنه كان مرتبكًا ومهمومًا، فأبلغها بأنه يواجه “مشكلة كبيرة”، وأنه سيتوجه لمحاولة حلها.

وعندما عاد بعد الساعة 4:00 عصرًا، سألته عن النتيجة، فأبلغها بأنه لم يتوصل إلى حل، وأنه تعرض لتهديد بالقتل، من دون أن يكشف لها هوية الشخص الذي هدده.

كما أشارت إلى أن ابنها سبق أن تحدث قبل نحو 3 أشهر عن تلقيه تهديدات، فيما بقيت خلفية هذه التهديدات موضع تحقيق وربط مع الوقائع التي كشفت لاحقًا.

وبعد أسابيع من المتابعة، جرى استخراج أحمد توسكا من نظارة ثكنة الحلو، حيث كان موقوفًا في قضايا أخرى، وأعيد استجوابه بعد تلاوة حقوقه القانونية المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وخلال التحقيق، أدلى، بحسب الملف، باعترافات تناولت معرفته بالمبنى ودوره في فتح طريق السطح ومراقبة المكان، إضافة إلى علاقته بالأشخاص الذين دخلوا المنزل.

ووفق ما ورد في إفادته، التقى قبل الجريمة بكل من م. ي. وم. م.، اللذين تحدثا عن خلاف مالي مع علي إبراهيم على خلفية كمية من المخدرات تُقدّر قيمتها بنحو 20 ألف دولار لم يسدد ثمنها.

وبحسب روايته، قرر الرجلان دخول المنزل وسرقة الخزنة لتحصيل المبلغ، وطلبا مساعدته بسبب معرفته بالمبنى، فوافق على فتح باب السطح وتولى مراقبة الطريق خلال تنفيذ العملية.

وأضاف أنه فتح باب السطح ليلًا، ثم تلقى فجرًا اتصالًا يطلب منه النزول إلى الشارع لمراقبة المكان، قبل أن يشاهد الرجلين يغادران المبنى وهما يحملان الخزنة ويستقلان دراجة نارية.

وقال إنه سأل لاحقًا عن محتويات الخزنة، فأُبلغ بأنها تحتوي على كمية من الذهب، ووُعد بحصة من ثمنها بعد بيعها.

كما أفاد بأنه علم بعد وقت قصير بمقتل الزوجين، فاتصل بأحد المشاركين الذي أبلغه، وفق روايته، بأنه أطلق النار على علي إبراهيم بعدما تعرّف إليه، ثم قتل خديجة حادة.

وأضاف أنه تسلم بعد يومين مبلغ 500 دولار لقاء مشاركته، قبل أن يحطم الهاتف وشريحة الاتصال اللذين كان يستخدمهما ويشتري جهازًا جديدًا.

وتضمنت إفادته أيضًا أن أحد المنفذين كان يتواصل عبر الفيديو مع امرأة أثناء وجوده داخل المنزل، وأنها كانت ترشده إلى مكان الخزنة وتزوده بتفاصيل عن الغرف.

وظهر خلال التحقيق اسم امرأة تُعرف في المنطقة باسم “أمال السوري”، إلى جانب أسماء نساء أخريات، بينهن آية عيسى ومريم الحلال، إلا أن المحاضر المرفقة تورد بشأنهن إفادات وشبهات متبادلة، لا نتائج قضائية نهائية، ما يستوجب التمييز بين من ورد اسمه في الاستقصاءات وبين من ثبت الادعاء عليه.

كما ورد اسم محمد حلال، والد مريم الحلال، ضمن الأشخاص الذين جرى التواصل معهم والاستماع إلى إفاداتهم خلال التحقيق.

ولم تتوقف القضية عند حدود الاعترافات والأدلة التقنية، بل انتقلت إلى مرحلة الملاحقة القضائية، بعدما ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على أفراد المجموعة التي كشفت التحقيقات دورها في الجريمة.

وشمل الادعاء الموقوف أحمد توسكا وجاهيًا، وكلًا من م. ي. وم. م. وع. م. وأ. أ. غيابيًا لتواريهم عن الأنظار، إضافة إلى كل من يظهره التحقيق.

وأسند الادعاء إلى المدعى عليهم الاشتراك في قتل علي إبراهيم وزوجته خديجة حادة عمدًا، بإطلاق النار عليهما من أسلحة حربية غير مرخصة، وسلب الأموال والمجوهرات من داخل المنزل.

واعتبر الادعاء أن الملف لا يقتصر على جريمة قتل وسلب، بل يمتد إلى جرائم الاتجار بالمخدرات، بعدما خلصت التحقيقات إلى أن الدافع المفترض للجريمة ارتبط بخلافات مالية ناجمة عن تجارة المواد المخدرة.

وجاء الادعاء سندًا إلى المادة 549 من قانون العقوبات المتعلقة بالقتل العمد، والمواد 639 و640 من قانون العقوبات، والمادة 72 من قانون الأسلحة والذخائر، إضافة إلى المواد 125 و126 و127 من قانون المخدرات.

وهكذا، قادت إفادة طفلة نجت من الموت، ومفتاح سطح اختفى ثم ظهر داخل القفل، وخزنة مسروقة، وكاميرات رصدت المنفذين، واتصالات سبقت الجريمة، إلى رسم مسار العملية وتحديد عدد من المشتبه فيهم، قبل أن يحال الملف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر، لاستكمال التحقيق وإصدار مذكرات التوقيف الوجاهية والغيابية بحق المتوارين.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version