بانتظار ساعة الصفر الأميركية لدخول اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل مرحلة التنفيذ، لا يخفى الدفع الأميركي الواضح نحو تثبيت مساره، رغم تأجيل الإجتماع الثلاثي الافتراضي، بطلب من واشنطن، لأسباب تقنية لا عسكرية أو سياسية. ورغم أن الأنظار تبقى مركزة على الموعد المقبل لهذا الإجتماع، فإن الأساس في هذه المرحلة يبقى في احتمالات نجاح عملية التنفيذ، وما إذا كانت ستشكّل بداية للحل أم مجرد خطوة في مسار تفاوضي أطول وأكثر تعقيدًا.

وفي قراءة للمشهد، يرى الخبير العسكري اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن تنفيذ الإتفاق لا يعكس فقط رغبة في تثبيت وقف التصعيد، بل يندرج أيضاً في إطار قرار أميركي بمنح الدولة اللبنانية جرعة من المصداقية، عبر إظهار أنها تسير في الإتجاه الصحيح في مسار المفاوضات مع إسرائيل برعاية واشنطن.

ويوضح شحيتلي في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن تنفيذ الإتفاق، رغم أهميته، لا يعني أن الأزمة بلغت نهايتها، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من التفاوض ستمتد فترة طويلة.

ويجزم بأن هناك قراراً أميركياً واضحاً بدفع اتفاق الإطار نحو التنفيذ، إنطلاقاً من حرص واشنطن على إضفاء صدقية على الدولة اللبنانية وإظهارها طرفاً قادراً على الإلتزام بالمسار التفاوضي الذي انخرطت فيه.

لكن هذا الواقع يطرح في المقابل، سؤالاً أساسياً حول فاعلية التنفيذ، حيث أن شحيتلي يبدي شكوكاً في أن يؤدي تنفيذ الإتفاق إلى حل نهائي، معتبراً أن ما يجري اليوم لا يتعدى كونه مرحلة ضمن مسار سياسي أكثر تعقيداً، ولا سيّما أن إسرائيل لم تدخل الحرب في لبنان لتحقيق أهداف عسكرية فحسب، بل رسمت لنفسها أهدافاً سياسية لا تزال، حتى اليوم، بعيدة عن التحقق.

ومن هنا، يؤكد شحيتلي، أن إسرائيل لن تعتبر الحرب منتهية فعلياً قبل تحقيق هذه الأهداف، لأنها تشكل بالنسبة إليها الأساس الذي ستُبنى عليه المراحل اللاحقة، ويرى أن العقدة الرئيسية تتمثل في غياب التفاهم السياسي، موضحاً أن الإتفاقات الفرعية، سواء العسكرية أو الأمنية، وكذلك التفاهمات المتعلقة بالحدود أو الإقتصاد، ليست سوى اتفاقات تنفيذية تحتاج أولاً إلى مظلة سياسية شاملة.

ويلفت شحيتلي إلى أنه حتى الآن، لم يحصل أي لقاء سياسي مباشر بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، إذ بقيت الإتصالات محصورة بالمستويين الدبلوماسي والعسكري، وهو ما لا يسمح بالحديث عن مصالحة أو تفاهم سياسي يشكل السقف الذي تُبرم تحته الإتفاقات التنفيذية، ما يعني أن العملية ستتقدم على مراحل، وقد تستغرق وقتاً طويلاً قبل الوصول إلى اتفاق سياسي شامل.

وفي موازاة ذلك، يرى شحيتلي أن إسرائيل تعتمد سياسة المماطلة في تنفيذ اتفاق الإطار، فرغم توقيعه منذ نحو شهر، فإن الإنسحاب لم يبدأ بعد، ما يعكس رغبة إسرائيلية في كسب الوقت وعدم الإستعجال في تنفيذ التزاماتها. لذلك، فهو يعتبر أن أي انسحاب، عندما يبدأ، سيكون بطيئاً جداً، لأن عامل الوقت يخدم إسرائيل ويمنحها فرصةً لترتيب أوراقها واستكمال ما تعتبره ضرورياً للوصول لاحقاً إلى المرحلة السياسية التي تطمح إليها.

وعن الوضع الميداني في الجنوب، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية واحتمالات اتساعها، يرى شحيتلي أن إسرائيل لم تعد تمتلك أهدافاً عسكرية فعلية في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، وأن ما تبقّى من اهتمامها يتركز على عدد من التلال الإستراتيجية، وفي مقدمها تلة علي الطاهر، إلى جانب تلال أخرى مجاورة.

ويشير إلى أن عمليات القصف الإسرائيلية لهذه التلال لم تحقق النتائج التي كانت تسعى إليها، فيما أثبتت محاولات التوغل فيها أو الدخول إلى الأنفاق الموجودة داخلها، أنها مكلفة بشرياً بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، وهو ثمن يصعب على إسرائيل تتحمله في هذه المرحلة.

وانطلاقًا من ذلك، يستبعد شحيتلي أن تلجأ إسرائيل إلى تصعيد عسكري واسع في الظروف الحالية، إلاّ إذا اتخذت قراراً سياسياً مختلفاً يقضي بالذهاب إلى حرب شاملة ضد لبنان أو تنفيذ اجتياح واسع، وهو احتمال غير وارد في المرحلة المقبلة، وفق المعطيات الحالية.

ويشير شحيتلي إلى بدائل أخرى يمكن أن تلجأ إليها إسرائيل لتحقيق بعض أهدافها، لكنه يفضّل عدم الخوض في تفاصيلها في الوقت الراهن، مشدداً على أن احتمال اندلاع حرب بالوتيرة نفسها التي كانت مطروحة قبل التوصل إلى اتفاق الإطار تراجع بشكل كبير، ومعتبراً أن هذا السيناريو لم يعد مرجحاً، بل أصبح احتمالاً ضعيفاً جداً في ضوء المعطيات السياسية والعسكرية الراهنة، حتى وإن بقي مسار التسوية النهائية يحتاج إلى وقت طويل وتفاهم سياسي لم تتوافر شروطه بعد.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version