يستعدّ لبنان لدخول مرحلة سياسية أمنية جديدة باستكمال التحضيرات اللوجستية لنشر الجيش في المنطقتين النموذجيتين، تطبيقاً لما نص عليه «اتفاق الإطار»، الذي وقّعه مع إسرائيل، برعاية أميركية، بينما «مذكرة التفاهم» ما زالت معلَّقة على خط التوتر العالي الأميركي الإيراني، رغم أن «حزب الله» لم ينقطع عن الرهان على توصل البلدين، اللذين يدخلان حالياً في مواجهة عسكرية، إلى اتفاق يتيح لإيران فرض معادلة جديدة في المنطقة تكون لمصلحتها وللبنان في آن معاً.

واوضح مصدر عسكري مسؤول لـ «اللواء»، انه يفترض ان يتقرر اليوم الجمعة في الاجتماع العسكري عبر التواصل التقني عن بُعد، موعد تنفيذ اسرائيل المطلوب منها والتفاصيل التقنية الاخرى، علماً ان القرى الست المحددة لا وجود عسكرياً اسرائيلياً فيها وهي محررة والجيش متواجد فيها، وبعض القرى تضم نحو 20 بالمئة من سكانها، لكن الاسرائيلي يراوغ ويوهم الاميركي ودول العالم بأنه ينسحب من قرى محتلة، ويبيع لبنان من كيسه، بينما يفترض ان ينسحب من القرى المحتلة التي اقترحها لبنان سواء في منطقة النبطية او منطقة بنت جبيل.

وحسب المعطيات، فقد وافق لبنان على هذه الخطوة الاولى التجريبية بتسلُّم الجيش للقرى الست، لترييح الوضع ووضع تنفيذ مسار اتفاق الاطار على سكة التنفيذ.

وذكرت “نداء الوطن” أن الوفد العسكري في اجتماعات اليوم عبر “زوم”، برئاسة مدير العمليات في الجيش اللبناني جورج رزق الله، سيركّز على مسألة وقف النار وتثبيته من أجل تطبيق المناطق النموذجية. وكذلك، سيكون مطلب لبنان تأمين انسحاب إسرائيلي من بلدة محتلة، مقابل تطبيق المنطقة النموذجية في بلدة لا يوجد فيها احتلال. وسيحدّد اجتماع اليوم البلدات التي سيشملها القرار، وهناك إيجابية ظهرت من خلال الإصرار الأميركي على نجاح الخطة، خصوصًا أن الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد سيكون حاضرًا في الاجتماع.

ويعود سبب عدم عقد اللقاء مباشرة إلى ضيق الوقت وتسريع العمليات، ولا صحة للأخبار عن أن الجيش اللبناني يرفض الجلوس مباشرة مع الإسرائيلي، فقد سبق أن تفاوضا في واشنطن. وبالتالي، باءت كل محاولات “حزب الله” لإظهار تمايز بين قيادة الجيش ورئيس الجمهورية والحكومة بالفشل، إذ لا فرق بين اجتماع مع الجيش الإسرائيلي عبر “زوم” أو مباشرة، لأن النتيجة واحدة.

توازيًا ، بدأت مؤشرات عودة الشرعية إلى المناطق الجنوبية تُترجم على أرض الواقع، من خلال انتشار الجيش اللبناني وتسيير دورياته وإقامة حواجز ونقاط مراقبة في بلدات فرون والغندورية وقلاويه وبرج قلاويه وكفردونين – بنت جبيل، وقعقعية الجسر – النبطية، وصريفا – صور.

وبحسب مصدر عسكري تحدّث إلى “نداء الوطن”، فإن الانتشار ليس جديدًا، بل هو تكثيف للدوريات، إذ سبق للجيش، في حالات عديدة، أن واكب أعمال الوزارات الخدماتية، مثل وزارتَي الاتصالات والطاقة، كما ساهم في إيصال مساعدات إغاثية إلى تلك القرى.

وأضاف المصدر أن “الخط الأصفر” لدى الجانب الإسرائيلي أصبح، منذ فترة، مطاطًا؛ فزوطر الشرقية وزوطر الغربية وعلي الطاهر لم تكن ضمن هذا الخط، فكيف ينسحب الجيش الإسرائيلي من مواقع لا وجود له فيها أصلًا؟ وفي ما يتعلق بالقول إن بعض المواقع يقع تحت السيطرة النارية الإسرائيلية، ردّ المصدر بأن لبنان، في هذه الحالة، كلّه تحت النار، من الجنوب إلى البقاع وبيروت. وذكر المصدر العسكري أن نحو 20 في المئة من أهالي قريتَي فرون والغندورية عادوا إليهما، ولا سيما إلى أطرافهما.

وكتبت” الشرق الاوسط” : هذا الواقع يضع «الحزب» أمام خيار صعب، في حال امتنع عن تسهيل انتشار الجيش في المنطقتين النموذجيتين، بخلاف حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي يتعاطى بواقعية سياسية، مُبدياً مجموعة من الملاحظات على خطة الانتشار وينتظر تطبيقها، ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه.

في هذا السياق، يطالب بري بتوسيع رقعة انتشار الجيش باعتماد القضاء، لتشمل بلدات تحتلها إسرائيل، لئلا يقتصر انتشاره على بلدة واحدة محتلّة، والباقي تسيطر عليها إسرائيل بالنار، خصوصاً أنه يتعامل مع الخطة من موقع الاختلاف حول حدودها الجغرافية، دون أن يتطرق إلى موقفه من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ورهانه على البديل، والمقصود به «مذكرة التفاهم» الأميركية الإيرانية، فيما يصر على تعديل الاتفاق انطلاقاً من الملاحظات التي أدرجها عليه وتبنّاها الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط على أمل أن يؤخذ بها مع بدء تطبيق بنوده.

اضافت: وسيبحث الاجتماع اللبناني الإسرائيلي، الذي يُعقَد عبر تطبيق إلكتروني، برعاية أميركية، إطلاق الضوء الأخضر لبدء انتشار الجيش في المنطقة التجريبية، بعد التوافق على آلية التحقق الخاصة بانتشاره، في حين أنجزت قيادة الجيش اللبناني كل التحضيرات اللوجستية لتسهيل سيطرة الوحدات العسكرية عليها، خصوصاً أنها باشرت بتسيير دوريات مؤللة اقتصرت حتى الساعة على المنطقة النموذجية، وتشمل بلدات غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وجميعها تقع في جنوب الليطاني، وذلك تمهيداً لاستحداث نقاط عسكرية ثابتة للتأكد من عدم وجود مجموعات مسلَّحة غير حكومية، في إشارة إلى «حزب الله».

وكشفت مصادر وزارية لبنانية أن الاجتماع الثلاثي سيضم سياسيين وعسكريين، على أن يرأس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم، ولم تستبعد أن ينضم إليه ضابط من رتبة عالية ربما يكون مدير العمليات في الجيش، العميد جورج نصر الله.

وقالت إنه سيخصَّص، بالدرجة الأولى، للاتفاق على آلية تنفيذية للتحقق من انتشار الجيش في المنطقة التجريبية، وذلك بتشكيل لجنة يشارك فيها ضباط لبنانيون وأميركيون، مع احتمال أن ينضمّ إليها ممثلون عن قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» أو مراقبون من لجنة «الهدنة» التي يتركز ضباطها وعناصرها على جانبي الحدود بين البلدين، على أن يُستثنى منها أي ممثل لإسرائيل بناء على إصرار الجانب اللبناني.
وأكدت أن مجرد التوافق على تشكيلها يعني حكماً بأن وحدات الجيش باتت على أهبة الاستعداد للانتشار فور تحديد ساعة الصفر، دون أن تستبعد بدء انتشارها عشية توجّه عون إلى واشنطن للقاء ترمب، وإن كانت العبرة تبقى بالتنفيذ.

ولفتت إلى أن هناك صعوبة، نظراً لعامل الوقت، بالبحث عن بديل يمكن إشراكه من خارج الجهات المطروحة للانضمام للجنة التحقق من الانتشار.

وكشفت أن قيادة الجيش على تواصل، الآن، مع «الحزب» لبحث ضرورة تسهيل عملية الانتشار بلا أي عوائق، في ظل انقطاعه عن الحوار مع عون.

وقالت المصادر إن مجرد إنجاح خطة الانتشار يعني حكماً تمرير رسالة أميركية إلى «حزب الله» بوجود استحالة الربط بين المسارين، ودعت «الحزب» للتعاطي بواقعية مع بدء تطبيق الخطوة الأولى من «اتفاق الإطار»، بوجود استحالة إيرانية للربط بين المسارين.

وكتبت” الاخبار”: آخر الكلام المُتداول في الكواليس السياسية، يؤكد أن إسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساحة متكافئة للوصول إلى تفاهمات متبادلة، بل باعتبارها امتداداً للميدان العسكري ولكن بأدوات مختلفة. فهي تدخل إلى طاولة التفاوض وهي تستند إلى واقع تصنعه بالقوة، وتحاول تثبيت وقائع جديدة تجعل أيّ نقاش لاحق منطلقاً من الشروط التي فرضتها خلال المواجهة. ولذلك فإن أي تقديم متسرّع لما جرى في روما على أنه نجاح أو اختراق قد يكون مُضلّلاً، لأن قيمة أي اتفاق لا تُقاس فقط بما يتضمّنه من عبارات عامة، بل بما يحمله من ضمانات فعلية تحفظ حقوق لبنان بوقف إطلاق النار والانسحاب وتحرير الأسرى.

وهذه الهواجس المنتشرة، لا تنبع من تفاصيل تقنية مرتبطة بالمناطق التجريبية فقط التي نوقشت في الجولة الثالثة من المفاوضات، بل من طبيعة العلاقة التي يحاول هذا المسار تكريسها بين لبنان وإسرائيل. فاختيار مناطق مُحدّدة لتكون ساحة اختبار لقدرة الجيش اللبناني لا يحمل بعداً أمنياً فحسب، وإنما يضع الدولة أمام امتحان سياسي وسيادي خصوصاً أن المطلوب تحويل الجيش الى وحدات شرطة تحت إشراف إسرائيلي – أميركي!

وأكثر من ذلك، فإسرائيل هي التي حدّدت سبع بلدات جنوبية لتكون مناطق تجريبية أولى، وهي الزوطران الشرقية والغربية، وفرون، والغندورية، وقلاوية، وبرج قلاوية، وصريفا. غير أن هذا الاختيار يثير إشكالات جوهرية، لأن هذه البلدات لا تنتمي جميعها إلى واقع ميداني واحد، ولا تخضع كلها للاحتلال المباشر أو للظروف الأمنية نفسها. فبعضها يقع على تماس مباشر مع مواقع إسرائيلية، وبعضها الآخر يخضع للتهديد بالنار أو للقصف، فيما لا يمكن تصنيفه بالضرورة ضمن المناطق المُحتلة وفق المعايير التقليدية، علماً أن الانتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى التطبيق العملي يبقى مُعلّقاً على نتائج الاجتماع العسكري الثلاثي الافتراضي الذي يُفترض أن يحسم التفاصيل التنفيذية اليوم، بدءاً من آلية الانسحاب الإسرائيلي، مروراً بطريقة انتشار الجيش اللبناني، وصولاً إلى طبيعة المهام التي ستُناط به.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية، بحسب مصادر سياسية بارزة، شرحتها لـ«الأخبار» وهي أن «المطلوب من الجيش اللبناني لا يقتصر على الانتشار الجغرافي، بل يتصل بمهمة لا علاقة لها بتنفيذ خطة وطنية بل بتطبيق معايير أمنية تضعها إسرائيل وتحدّد من خلالها ما تعتبره تهديداً». وتشير المصادر إلى عقبات سبقت الاجتماع وهي رفض الجيش عقد الاجتماع الثلاثي في الناقورة باعتبارها مُحتلة، كما تحفّظ على بعض البلدات المُختارة مناطق تجريبية، لأنها لا تقع كلها ضمن نطاق الاحتلال المباشر. وكذلك البلدات المختارة لا تمثّل مجرّد نقاط جغرافية مُحدّدة، بل تتحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها فيها، فهي موزّعة بين جنوب الليطاني وشماله.

وضمن هذه الرقعة تقع صريفا التي تعرّضت لدمار واسع جراء العمليات الإسرائيلية، وكذلك قلاوية وبرج قلاوية الواقعتان ضمن نطاق عمل قوات اليونيفل. وهذه المناطق الواقعة جنوب الليطاني سبق أن شهدت مراحل من التنسيق بين الجيش اللبناني وحزب الله، حيث جرى إخلاؤها وانتشر الجيش فيها. أمّا الزوطران، فتقعان شمال الليطاني، حيث تختلف الظروف بين منطقة خضعت للاحتلال المباشر وأخرى بقيت تحت التهديد المستمر بالنار، كما هو الحال في مناطق أخرى مثل كفررمان والنبطية الفوقا، بحسب ما تشرح المصادر.

وبذلك لا يبدو أن اجتماع روما أنتج تحوّلاً استراتيجياً كما يحاول البعض تصويره، بل إن إسرائيل نجحت في إدخال شروطها الأمنية إلى قلب المسار التفاوضي. فهي لم تكتفِ فحسب بتحديد المناطق التجريبية، بل ربطت التقدّم في المراحل المقبلة بمدى اقتناعها بأداء الجيش اللبناني وقدرته على تنفيذ المهام المطلوبة وفق معاييرها. كما اشترطت معرفة تفاصيل خطة الانتشار وآليات التعامل مع حزب الله، ما يجعل إسرائيل عملياً طرفاً يراقب ويقيّم ويقرّر مدى نجاح المسار.

ووفق هذا المنطق، فإن التوسّع في تنفيذ المناطق التجريبية سيبقى مرتبطاً بنتائج المرحلة الأولى. فإذا رأت إسرائيل أن الجيش لم يحقّق ما تريده، فقد تعرقل الانتقال إلى مراحل جديدة. وقد تمتد العملية لأشهر طويلة، وربما لسنوات قبل الوصول إلى انسحاب كامل، إذا تحقّق أصلاً، خصوصاً أن مسألة المنطقة الأمنية التي ترغب إسرائيل في الحفاظ عليها أو إعادة فرضها لم تدخل بعد في صلب النقاش. وهناك يبقى السؤال عالقاً «من يملك القدرة على وقف أي استهداف إسرائيلي جديد تحت عنوان منع الخطر الأمني؟ وماذا يحدث إذا قرّرت إسرائيل أن الجيش اللبناني لم يقم بما يكفي لتكون راضية؟».

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version