في مشهد يجمع بين الصواريخ والرسائل السياسية المتناقضة، استهدفت إيران خلال الأيام الأخيرة المجال الجوي الأردني ضمن ردّها على الضربات الأميركية، قبل أن تتوجه إلى «الشعب الأردني» برسالة تؤكد أنها لا تعادي المملكة، وتطالبه بالضغط لإخراج القواعد الأميركية من المنطقة، فيما تواصل عمّان التعامل مع التصعيد بحذر وتتجنب توجيه انتقاد علني مباشر إلى طهران بشأن الهجمات التي طالت أراضيها.
وبحسب تقرير للصحافية ليئور بن آري في موقع “واي نت” الإسرائيلي، طالت الهجمات الإيرانية ضد دول المنطقة الأردن أيضًا، في ظل المعادلة التي وضعتها طهران والقائمة على استهداف المواقع التي تقول إن الهجمات الأميركية تنطلق منها.
وبما أن قوات أميركية تعمل في عدد من القواعد الأردنية، تحولت المملكة، وفق هذه المعادلة، إلى أحد أهداف النظام الإيراني.
ويصدر الجيش الأردني بيانات رسمية متتالية بشأن تعامله مع الهجمات، إلا أن التصريحات السياسية والرسمية داخل المملكة بشأن استهداف أراضيها لا تزال محدودة.
وأعلن الجيش الأردني، صباح اليوم، أن «4 صواريخ اخترقت المجال الجوي الأردني من جهة إيران، وتم اعتراضها وإسقاطها».
وكان الجيش قد أعلن أمس أيضًا اعتراض 4 صواريخ أخرى بعد دخولها المجال الجوي الأردني من الأراضي الإيرانية.
ونقل البيان عن مصدر عسكري رفيع في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية قوله إن «عملية الاعتراض نُفذت ضمن الإجراءات العملياتية المتخذة لحماية سيادة المملكة وأمنها وسلامة مواطنيها».
وأكد المصدر أن الحادثة لم تسفر عن إصابات أو أضرار مادية، وأن فرق سلاح الهندسة الملكي تعاملت مع شظايا سقطت في عدد من المواقع.
وأضاف أن «القوات المسلحة الأردنية تواصل أداء واجباتها بأعلى مستويات الجاهزية، وتتابع مختلف التطورات للتعامل مع أي تهديد قد يمس أمن الأردن أو مجاله الجوي».
وشدد على أن «أي محاولة للمساس بسيادة المملكة أو انتهاك مجالها الجوي ستُواجَه بأقصى درجات الحزم، وفق قواعد الاشتباك المعتمدة وبما يتوافق مع المصلحة الوطنية».
وتابع: «لن تتردد القوات المسلحة الأردنية في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية الأردن وأمنه واستقراره».
كما دعا المواطنين إلى استقاء الأخبار والمعلومات من المصادر الرسمية، وتجنب تداول الشائعات أو المعلومات غير الموثوقة.
وكان الجيش الأردني قد أعلن، أول من أمس، أن 3 صواريخ أُطلقت من الأراضي الإيرانية انفجرت في عدد من المواقع داخل المملكة.
ولم تسفر تلك الهجمات بدورها عن إصابات، واقتصرت نتائجها على أضرار مادية طفيفة.
وأكدت السلطات الأردنية أن الجهات المختصة تواصل متابعة الوضع الميداني، وأن القوات الأردنية لن تسمح بتحويل المجال الجوي أو أراضي المملكة إلى ساحة للصراع، وستتعامل بحزم مع كل تهديد لسيادة الدولة ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.
كما شددت على أن جميع الوحدات العسكرية في أعلى درجات الجاهزية لمواجهة أي تهديد محتمل.
وفي موازاة ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الأردنية، أول من أمس، بيانًا أدانت فيه الهجمات الإيرانية، من دون أن تتطرق إلى الضربات التي استهدفت الأردن نفسه.
وجاء في البيان: «أدان الأردن اليوم الهجمات الإيرانية الوحشية ضد الإمارات العربية المتحدة والبحرين وعُمان وقطر والكويت، ويرى فيها انتهاكًا صارخًا لسيادتها، وتهديدًا لأمنها واستقرارها وسلامة أراضيها، وتصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».
ولم يأتِ البيان على ذكر الهجمات التي طالت الأردن، رغم تشغيل صفارات الإنذار في عدد من المناطق داخل المملكة نتيجة عمليات الإطلاق الإيرانية.
وأجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي سلسلة اتصالات رسمية خلال الأيام الأخيرة، بينها اتصال مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، إلا أن البيان الأردني الصادر بشأن الاتصال لم يذكر الصواريخ التي استهدفت الأردن.
وأفادت وزارة الخارجية الأردنية بأن الوزيرين أدانا «الهجمات الإيرانية المتكررة ضد الدول العربية، وكل ما يهدد أمنها وسيادتها واستقرارها وسلامة شعوبها».
كما ناقشا التطورات الإقليمية، ولا سيما الجهود الهادفة إلى إعادة الأمن وتهدئة التوتر وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وفي بيان آخر صدر أمس بشأن اتصال بين الصفدي ووزير الخارجية الألماني يوهان فادفول، ذكرت الخارجية الأردنية أن الوزير الألماني أدان الهجمات ضد الأردن، لكن البيان لم يتضمن مجددًا موقفًا أردنيًا مباشرًا من استهداف المملكة.
وشرح المحلل الأردني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط دحام متقال الفواز، في حديث إلى “واي نت”، أسباب غياب الردود الأردنية الأكثر حدة تجاه إيران.
وقال: «بصراحة، لا أعتقد أن موقف الأردن يُقاس بقوة تصريحاته. الأردن بطبيعته دولة تعمل بهدوء وتحسب خطواتها بحذر، وخصوصًا في القضايا الحساسة مثل الملف الإيراني».
وأضاف أن «الأردن يقع في منطقة تعج بالأزمات، وأي تصعيد في الخطاب قد تكون له تداعيات مباشرة، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا».
وتابع: «لذلك يركز الأردن عادة على حماية مصالحه وسيادته، ويفضل الحلول الدبلوماسية على رفع سقف الخطاب».
وأكد أن «كون التصريحات الأردنية أقل حدة من تصريحات أخرى لا يعني أن موقف الأردن أقل حزمًا، بل يعكس نهجًا ثابتًا قائمًا على التوازن وتجنب التصعيد، مع التشديد الدائم على حماية الأمن القومي ورفض أي تهديد للسيادة الأردنية».
وفي المقابل، وبينما تحاول عمّان الحفاظ على هذا التوازن، توجه الحرس الثوري الإيراني إلى «الشعب الأردني» داعيًا الحكومة الأردنية إلى اتخاذ موقف حازم، لكن ضد الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية.
وقال الحرس الثوري في رسالته: «نحن لسنا ضد بلدكم، ونحن نقدر الشعب الأردني. أنتم من بين أكثر الشعوب إدراكًا لمعاناة الشعب الفلسطيني وما يتعرض له من قمع».
وأضاف: «مطالبتكم بإزالة القواعد العسكرية الأميركية من المنطقة ستكون مساهمة مهمة في إنقاذ الشعب الفلسطيني وإعادة الأمن إلى المنطقة».
ويُشار إلى أن إسرائيل لا تزال، حتى الآن، خارج المواجهة العسكرية الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن الأردن كان قد واجه خلال العملية الإسرائيلية السابقة ضد إيران، المعروفة باسم «زئير الأسد»، تداعيات مزدوجة.
فإلى جانب تعرضه لهجمات مباشرة، جعل موقعه الجغرافي منه مسارًا لعبور الصواريخ الإيرانية في طريقها إلى إسرائيل، ما عرّضه لصواريخ ضالة وشظايا ناجمة عن عمليات الاعتراض.
وبين صواريخ إيرانية تعبر سماء المملكة ورسائل تدعو الأردنيين إلى التحرك ضد واشنطن، تجد عمّان نفسها أمام معادلة دقيقة: الدفاع بحزم عن سيادتها ميدانيًا، من دون الانجرار سياسيًا إلى مواجهة مفتوحة مع طهران قد تضيف أزمة جديدة إلى منطقة مثقلة أصلًا بالصراعات.

