صار واضحاً أن تصعيد الإقليم يتجاوز حدود الساحات المنفصلة، ولن تكون الساحة اللبنانية بمنأى عنه. فالتطورات التي شهدتها صنعاء، توحي وفق النائب السابق الدكتور مصطفى علوش، أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة، ويمكن قراءتها كإعلان حرب مشتركة ضد الأذرع الإيرانية في المنطقة، حتى إذا عاد “حزب الله” إلى إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، سيجد نفسه جزءاً مباشراً من هذه المواجهة الإقليمية.
ولا ضرورة للسؤال حول مشاركة الحزب في هذه المعركة، إذ يؤكد الدكتور علوش ل”ليبانون ديبايت”، أنه سينخرط فيها، لأنها بالنسبة إلى إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل معركة وجود وحياة أو موت بالنسبة إلى مشروعها الإقليمي القائم على ولاية الفقيه، ولذلك، لن يكون الحزب قادراً على البقاء خارج هذا الصراع.
وبالنسبة للنتائج المحتملة، فيقول علوش إنه لا يعرف ما إذا كانت الأمور ستعود إلى نقطة الصفر، لأن لبنان، موجود أساساً عند هذه النقطة، مضيفاً أن استمرار الوضع الحالي من دون حلول سيجعل البلاد تتجه إلى ظروف أكثر سوءاً، ما يجعل من الحسم، مهما كان مكلفاً، أفضل من استمرار حالة المراوحة التي يعيشها لبنان والمنطقة.
وفي الوقائع المتعلقة بمفاوضات روما، لا يعلق علوش آمالاً كبيرة على ما يمكن أن ينتج عنها، معتبراً أن الأجواء السياسية لم تتبدل، وأن الخطاب المتبادل بين الأطراف لا يزال هو نفسه، وبالتالي فإن الوضع سيبقى على حاله من دون تحقيق أي اختراق فعلي.
وفي الميدان الجنوبي، يشير علوش إلى أن المعادلة الحالية لا تزال قائمة، حيث يربط كل طرف تنفيذ التزاماته بتنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته، فيستمر الربط بين الإنسحاب الإسرائيلي ومسألة سلاح الحزب، فيما يبقى ملف السلاح مرتبطاً بدوره بالإنسحاب الإسرائيلي، وهو ما يعطل أي تقدم في تنفيذ الإتفاقات القائمة.
بالمقابل، فإن ستاتيكو الإنقسام يسيطر على الحياة السياسية من دون أي مؤشرات إلى انفراج قريب، بحسب علوش، الذي يكشف أن الثابت سياسياً قد لا يبقى ثابتاً عسكرياً، مرجحاً عودة الحرب إلى وأن تشهد الجبهة الجنوبية جولة جديدة من المواجهات.
وفي معرض حديثه عن اتفاق “الإطار” والخطوات التنفيذية المرتبطة به، يعتبر علوش أن الإتفاق ما زال قائماً من الناحية النظرية، إلاّ أن تطبيقه يواجه عراقيل عملية، فإسرائيل تتهم الحزب بعدم تنفيذ التزاماته، فيما يؤكد الجانب اللبناني أن إسرائيل هي التي لا تنفذ ما هو مطلوب منها، الأمر الذي يبقي الإتفاق معلقاً بين تبادل الإتهامات وعدم التنفيذ.
أما بشأن الدور الذي قد تؤديه اللجنة العسكرية الأميركية المشرفة على مراقبة تنفيذ الإتفاق، فيؤكد علوش أن الولايات المتحدة لن تخوض أي مواجهة عسكرية لا دفاعاً عن لبنان ولا عن إسرائيل، موضحاً أن الحديث يدور عن إمكان قيام قوات فرنسية وإيطالية بدور في الجنوب في حال انتهاء مهمة قوات اليونيفيل، إلاّ أن هذا الدور سيقتصر على المراقبة ولن يتعدى ذلك إلى أي دور قتالي أو أمني مباشر، بمعنى أن المشهد الجنوبي لن يتغير كثيراً، إذ ستبقى إسرائيل في مواقعها، وسيبقى الحزب موجوداً أيضاً، ما يعني استمرار حالة الإشتباك غير المحسومة.
لعبة “زجاجة العطر”
وعن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون المرتقبة إلى واشنطن، يعتبر علوش أنها تأتي استجابة لدعوة من الرئيس الأميركي، وأنه من الطبيعي ألا يرفض رئيس الجمهورية مثل هذه الدعوة في ظل الظروف الراهنة.
لكن علوش لا يتوقع نتائج إستثنائية لهذه الزيارة، معتبراً أنها قد تكون مشابهة لزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، بحيث تقتصر نتائجها على الرسائل السياسية والصور البروتوكولية، في إشارة ساخرة إلى ما وصفه بطريقة تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الشرع، عندما أهداه عطراً وأجرى معه ما عُرف بـ”لعبة زجاجة العطر”.
وفي ما يتعلق بإمكان قيام سوريا بأي دور استجابة للضغوط الأميركية، يرى علوش أن الرئيس السوري لن يقدم على أي خطوة من هذا النوع من دون التنسيق الكامل مع تركيا، باعتبار أن أنقرة أصبحت صاحبة التأثير الأكبر في القرار السوري. إلاّ أنه يوضح أن المنطقة تشهد إعادة رسم لموازين النفوذ، وأن الحضور التركي بات أكثر وضوحاً داخل لبنان وفي محيطه، لافتاً إلى الحديث المتزايد عن انزعاج قبرص من هذا النفوذ، والذي يعود ويرى إلى رغبة الرئيس ترامب وحلف شمال الأطلسي، في منح تركيا دوراً أكبر خلال المرحلة المقبلة، ما يفسّر التحولات الجارية في شرق المتوسط والمنطقة عموماً.
