ليست القضية مجرد نزاع مالي بين الدولة وشركة BetArabia، بل ملف تتداخل فيه قرارات حكومية لم تُنفذ بحرفيتها، وأموال عامة بقيت خارج الخزينة، وشركة ترتبط بمجموعة أعمال يرد في صلبها اسم رجل الأعمال سركيس سركيس إلى جانب جوزيف لاوون، باعتبارها الجهة التي تدير وتشغّل منصة المراهنات التي يدور حولها هذا النزاع المالي والقضائي.
وتكشف المستندات التي حصل عليها “ليبانون ديبايت” أن مجلس الوزراء ألزم وزارة المالية باسترداد فروقات حصة الدولة من المراهنات عبر الإنترنت منذ بدء تشغيل هذا النشاط، إلا أن أوامر التحصيل صدرت عن فترة زمنية أقصر بكثير، قبل أن يوقف مجلس شورى الدولة تنفيذ البند المالي الأساسي في القرار الحكومي.
والنتيجة كانت واحدة: تعطّل تحصيل أكثر من 15.8 مليون دولار اعتبرها مجلس الوزراء حقوقًا مستحقة للدولة، فيما بقيت الخزينة محرومة من هذه الإيرادات، رغم واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخ لبنان.
فبموجب قرار مجلس الوزراء رقم 13 الصادر في 11 أيلول 2025، تقرر تعديل عقد الاستثمار بما يضمن ألا تقل حصة الدولة عن 35 في المئة من مجموع الدخل السنوي غير الصافي لألعاب القمار عبر الإنترنت.
كما كلّف القرار وزارة المالية بالتدقيق في حسابات وقيود كازينو لبنان لتحصيل الفرق بين هذه النسبة والمبالغ التي حصلت عليها الدولة منذ تاريخ المباشرة بهذا النوع من الألعاب، مضافًا إليها الفوائد القانونية.
لكن القرار الحكومي لم يسقط في القضاء أولًا، بل سقط في التنفيذ.
فقد أصدرت وزارة المالية أوامر التحصيل عن الفترة الممتدة من أيلول 2025 حتى نيسان 2026، أي عمليًا بعد صدور قرار مجلس الوزراء، وليس منذ تاريخ المباشرة الفعلية بهذا النشاط، رغم أن القرار نص صراحة على خلاف ذلك.
وبحسب الجداول المرفقة بأوامر التحصيل، بلغت المطالبات 10,747,994 دولارًا أميركيًا، إضافة إلى 454,824,410,000 ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 5,081,837 دولارًا، ليصل إجمالي المطالبات إلى نحو 15,829,831 دولارًا أميركيًا.
وهذا الرقم لا يمثل سوى ثمانية أشهر فقط.
لكن الأخطر أن مجلس الوزراء اعتبر أن حق الدولة يبدأ منذ تاريخ المباشرة بهذا النوع من الألعاب، أي منذ 2 تشرين الأول 2023.
ومع ذلك، تجاهلت وزارة المالية تنفيذ القرار بحرفيته، وحصرت أوامر التحصيل بثمانية أشهر فقط، رغم أن مجلس الوزراء ألزمها صراحة باحتساب الفروقات منذ 2 تشرين الأول 2023.
وهنا لا يعود السؤال لماذا طعنت الشركة، بل لماذا لم تنفذ الإدارة القرار الذي أصدرته السلطة التنفيذية نفسها.
ولو نُفذ القرار كما صدر، لكانت الدولة طالبت بفروقات تمتد منذ بدء النشاط، ولكانت قيمة الأموال المطالب بها ارتفعت بصورة كبيرة، بدل أن تقتصر على نحو 15.8 مليون دولار فقط.
وهذا يعني عمليًا أن جزءًا من الفترة التي اعتبرها مجلس الوزراء حقًا ثابتًا للخزينة بقي خارج أوامر التحصيل، رغم أن القرار الحكومي شملها بصورة صريحة.
ثم جاء قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 30 حزيران 2026 ليوقف تنفيذ الفقرة المتعلقة بتحصيل فروقات نسبة الـ35 في المئة.
فتوقف تنفيذ البند الوحيد الذي كان يتيح للخزينة استرداد الأموال فورًا، وتحولت ملايين الدولارات إلى أموال معلقة بانتظار انتهاء النزاع القضائي، فيما بقيت الدولة من دون أي تحصيل فعلي.
وبذلك، انتقل الملف من مرحلة التحصيل إلى مرحلة تجميد التحصيل، بعدما اجتمع تنفيذ إداري لم يطبق قرار مجلس الوزراء بحرفيته مع قرار قضائي بوقف التنفيذ، فكانت النتيجة العملية تعليق استرداد الأموال التي تعتبرها الدولة مستحقة لها.
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند حدود التحصيل.
فقرار مجلس الوزراء نفسه يورد ضمن حيثياته رأي ديوان المحاسبة، الذي خلص إلى أن توسيع امتياز كازينو لبنان ليشمل ألعاب القمار عبر الإنترنت يحتاج إلى تدخل تشريعي صريح، وأن تعديل عقد الاستثمار لا يشكل، بمفرده، غطاءً قانونيًا كافيًا لهذا النشاط.
وتكتسب هذه الخلاصة أهمية مضاعفة لأن النشاط الذي تديره الشركة المرتبطة بمجموعة أعمال يرد في صلبها اسم سركيس سركيس، إلى جانب جوزيف لاوون، استمر بتحقيق إيرادات كبيرة، رغم أن أعلى جهة رقابية مالية اعتبرت أن استمراره بهذا الشكل يحتاج إلى تدخل تشريعي صريح.
ولم يكتفِ مجلس الوزراء بالإشارة إلى رأي ديوان المحاسبة، بل كلّف وزارة المالية بإعداد مشروع قانون لتعديل القانون رقم 417/1995 بما يجيز صراحة هذا النوع من الاستثمار، في إقرار واضح بأن الإطار القانوني القائم يحتاج إلى استكمال تشريعي.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: كيف سمحت الحكومة باستمرار هذا النشاط وتحقيقه إيرادات بملايين الدولارات، فيما كانت تقر في الوقت نفسه بأن الغطاء القانوني يحتاج إلى تعديل تشريعي؟
وفي قلب هذا الملف تقف شركة Online Support Services SAL (OSS)، التي تتولى تشغيل منصة BetArabia بموجب العقد الموقع مع كازينو لبنان، ويرأس مجلس إدارتها ويشغل منصب مديرها العام جاد غاريوس. كما ترد ضمن هيكلية ملكيتها ومجموعة الشركات المرتبطة بها أسماء سركيس إلياس سركيس وجوزيف لاوون، اللذين يملكان مصالح مباشرة فيها، وفق ما ورد في التحقيقات المتداولة حول هذا الملف.
وتبقى الحقيقة التي تكشفها المستندات ثابتة: مجلس الوزراء قرر أن حقوق الدولة تبدأ في 2 تشرين الأول 2023، بينما اقتصرت أوامر التحصيل على ثمانية أشهر فقط، قبل أن يتوقف التنفيذ بقرار قضائي.
وبين قرار حكومي واضح، وتنفيذ إداري ناقص، ووقف للتحصيل، تبقى ثلاثة أسئلة بلا أجوبة: من اتخذ قرار حصر أوامر التحصيل بثمانية أشهر فقط؟ ولماذا لم تُنفذ وزارة المالية قرار مجلس الوزراء بحرفيته؟ وما هو الدور الذي لعبته الشركة المشغلة والجهات المرتبطة بها في المسار الذي انتهى إلى تجميد تنفيذ القرار وتعليق تحصيل الأموال التي اعتبرتها الدولة حقوقًا مستحقة للخزينة؟ هذه الأسئلة لم تعد سياسية أو إعلامية فحسب، بل أصبحت جزءًا من ملف يفترض أن يستكمل قضائيًا ورقابيًا حتى تتحدد المسؤوليات وفق ما تثبته التحقيقات والقرارات القضائية
