رغم مشاهد الحشود والبكاء ومراسم الوداع الضخمة للمرشد الإيراني المقتول علي خامنئي، يرى المقدم احتياط عميت ياغور أن الصورة الحقيقية خلف الواجهة مختلفة تمامًا، وأن إيران لا تتحرك من موقع قوة، بل من ضيق متزايد، وتحاول “شراء الوقت” قبل أن تعود الساعة الأميركية إلى الدوران من جديد.

وبحسب مقال للمقدم احتياط عميت ياغور في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن من تابع الشاشات في الأيام الأخيرة شاهد على الأرجح حشودًا كبيرة وبكاءً حادًا في مراسم تشييع آية الله علي خامنئي في إيران. ومن السهل، وفق الكاتب، الضياع داخل هذا المشهد الدرامي والرمزي، والانطباع بأن الحديث يدور عن نظام قوي ومتماسك، يقف بجبهة واحدة في مواجهة العالم.

لكن ياغور يعتبر أن الحقيقة معاكسة تمامًا، إذ إن إيران، تحت ستائر الدخان التي تنشرها، تعمل من موقع ضيق، خصوصًا مع اقتراب انتهاء “ساعة الرمل الأميركية” المرتبطة بالأحداث الوطنية. وباختصار، يكتب أن ما يحدث فعلًا، والإشارات التي تظهر على الأرض، تدل على أن إيران بعيدة عن موقع القوة.

وفي كواليس الجنازة، يلفت ياغور إلى أن الأمر الأبرز في الساعات الأخيرة كان الشرخ الكبير الذي ظهر تحديدًا خلال مراسم الدفن في طهران. فرغم جهود التعبئة العدوانية التي بذلها النظام، والتي شملت توزيع مواد غذائية مثل الأرز على موظفي الدولة، وتوفير حافلات مجانية من الأطراف، كشفت تقارير على الشبكات عن خيبة أمل داخل قمة الحكم، بعدما بقي مجمع “المصلى” الكبير ومسار الجنازة نصف فارغين.

ووفق المقال، حدث ذلك رغم أن مواطنين كثيرين أُجبروا على المشاركة في مراسم وداع المرشد. فقد مارست السلطات والمؤسسات ضغطًا على منظمات العمال والشركات والجمعيات الخيرية لإغلاق أعمالها، أو التعرض للغرامات. كما أُلغيت إجازات الموظفين في البلديات، وأُلزم حتى العاملون في قطاعي الاتصالات والسيارات بتحمل العبء. كذلك أُغلق المطار أمام حركة المواطنين، وطُلب من شركات في المناطق الصناعية في طهران إقامة أكشاك للطعام والشراب على نفقتها الخاصة.

وبحسب ياغور، طُلب من شركات كبرى دفع أكثر من نصف مليون دولار، أي أكثر من تريليون ريال إيراني لكل منها، من أجل ذلك. وللمقارنة، يشير إلى أن الدخل الشهري المتوسط في إيران يبلغ نحو 150 دولارًا.

ويضيف أن النظام غيّر في اللحظة الأخيرة، لأسباب أمنية وخشية من اضطرابات، مسار موكب الجنازة في طهران. وقد ترك هذا التغيير آلاف القرويين والمواطنين الآتين من الأطراف، الذين قطعوا مئات الكيلومترات وانتظروا ساعات على جوانب الطرق في طهران، عالقين وغير قادرين على المشاركة في المراسم. وبرأي الكاتب، لم يؤدِ ذلك إلا إلى زيادة الإحباط في الشارع والتوتر بين الجمهور البسيط والنظام.

وفي موازاة الخطابات في طهران، يتوقف ياغور عند ملف إعادة ترميم المنشآت النووية. فبينما ينشغل النظام بالخطابات، تتحدث معاهد بحث دولية، مثل المعهد المعروف لديفيد أولبرايت في الولايات المتحدة، عن أعمال بناء متسارعة في المواقع النووية. وبحسبه، تستغل إيران الوقت للحفر أعمق داخل الأرض.

ويعتبر أن هذا السلوك ليس استعراض قوة، بل تموضع دفاعي استعدادًا للجولة المقبلة، ومحاولة لإدخال المنشآت النووية إلى عمق أكبر، منعًا لتعرضها لضربة جديدة في الجولة التالية.

أما في ملف خلايا الاغتيال داخل الولايات المتحدة، فيرى ياغور أنه عندما يفشل النظام في الجبهة، ينتقل إلى أدوات الإرهاب. فالتهديدات الفجة التي ظهرت في الجنازة، ورفع “الأعلام الحمراء” الداعية إلى قتل دونالد ترامب ومسؤولين آخرين، جاءت بعد تلقي النظام ضربات عسكرية قاسية، ولا يمكن اعتبارها مجرد تهديدات كلامية.

ويشير إلى أن وزارة العدل الأميركية كشفت أمس الاثنين معلومات رسمية تفيد بأن الحرس الثوري انتقل إلى تكتيك آخر، يتمثل بمحاولة تشغيل شبكات معقدة من المتعاقدين الفرعيين، مثل المواطن الباكستاني آصف ميرشانت وآخرين، الذين أُرسلوا لتجنيد قتلة محليين وأفراد من العالم السفلي داخل الأراضي الأميركية. وبحسب الكاتب، فإن اللجوء إلى أدوات الإرهاب دليل على تآكل القدرة العسكرية التقليدية.

وعلى المستوى الاقتصادي، يقول ياغور إن الأرقام الرسمية الأخيرة الصادرة من إيران تشير إلى كارثة اقتصادية غير مسبوقة. فقد تجاوز تضخم أسعار الغذاء عتبة 100%، وفي اليومين الأخيرين فقط تضاعف سعر الأرز.

وفي سياق الجنازة التي أُنفقت عليها أموال طائلة، يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الجمهور الإيراني غاضب جدًا من أخذ مليارات الريالات من شركات ومصانع محلية لتمويل أسبوع الجنازات الاستعراضي لخامنئي، في وقت يعجز فيه العامل البسيط عن إنهاء الشهر. ويذكّر بأنه قيل مرارًا إن النظام يجلس على برميل بارود ويخشى جدًا من تمرد داخلي.

وفي ملف مضيق هرمز، يصف ياغور إعلان الحرس الثوري الرسمي أمس عن فرض “رسوم عبور” وجباية أموال من ناقلات النفط، ضمنيًا حتى من دون ترتيب مع سلطنة عمان، بأنه دليل على الفشل في بناء آلية مشتركة.

وأكثر من ذلك، يرى أن الإعلان يدل على فشل في إغلاق المضيق بالصواريخ والزوارق السريعة أمام المسار الجنوبي الذي فتحته الولايات المتحدة قرب الساحل العماني. كما يدل، وفق الكاتب، على ضائقة اقتصادية وضغط إيراني للحصول على المال. وبحسبه، فإن ما يجري هو عمليًا محاولة لإنتاج مصدر تمويل فوري عبر “الخوة”. ويذكّر بأن إيران منحت الصين، التي تشتري منها النفط، إعفاءً من هذه المدفوعات، منعًا لتشكّل جبهة موحدة ضدها.

أما عن ما يُسمى الصمت الأميركي، فيقول ياغور إنه ليس كذلك بالضبط. ففي الخلفية، تقترب المنظومة كلها من نهاية الأحداث الوطنية في الولايات المتحدة. وقد تساءل كثيرون، بحسبه، عن سبب صمت واشنطن في الأسابيع الأخيرة، بينما عرضت إيران تهديدات فجة كلاميًا وعمليًا، بينها تهديدات صريحة بقتل ترامب.

ويرى الكاتب أنه قيل مرارًا إن هناك علامات استفهام كثيرة حول السلوك الأميركي، لكن من المحتمل جدًا أن يكون هذا الصمت نفسه “ستار دخان” محسوبًا زمنيًا، هدفه السماح بإنهاء عيد ميلاد الرئيس، واحتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، واستضافة مباريات كأس العالم، من دون هزّ أسعار الوقود في لحظة ذروة.

ويضيف أن ترامب كسر الصمت أمس بتصريح مباشر، أوضح فيه مجددًا: “إما أن نصل إلى اتفاق، أو سننهي المهمة. ولن يكون من الصعب إنهاء المهمة”. وبحسب ياغور، ذكّر ترامب الإيرانيين بأن الولايات المتحدة قادرة على تدمير بنى الطاقة والجسور في إيران خلال فترة قصيرة جدًا.

وفي الخلاصة، يعتبر ياغور أن الواقع الذي يحاول النظام في إيران تصويره ويحصل على عناوين في إسرائيل والعالم ليس أكثر من ستار دخان يخفي ضعفًا كبيرًا. فهناك محاولة لشراء الوقت و”حكّ المال” من أجل النجاة من الاغتراب العميق بين النظام ومواطنيه.

ويختم بأن هناك احتمالًا غير قليل لأن تبدأ تصدعات حقيقية بالظهور داخل النظام خلال أشهر الصيف، وأن ينتهي الهدوء الأميركي بعد مرور الأحداث الوطنية، من بين أسباب أخرى، في إطار رغبة واشنطن في الوصول بصورة مختلفة إلى انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version