أكد الرئيس السوري أحمد الشرع حرص سوريا على استقرار لبنان وسيادته، مشددًا على أن دمشق تنظر إلى هذا الملف باعتباره جزءًا أساسيًا من الاستقرار الإقليمي، في موقف برز خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دمشق، في زيارة وُصفت بأنها تاريخية، كونها الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ 18 عامًا.
وفي الموقف المتصل بالملف اللبناني، شدد الشرع على أن سوريا حريصة على استقرار لبنان وسيادته، في إشارة تحمل أهمية خاصة في ظل حساسية العلاقات بين البلدين، والتداخل الجغرافي والسياسي والأمني بين الساحتين اللبنانية والسورية، وما يفرضه ذلك من ضرورة ضبط الحدود، وحماية الاستقرار، ومنع أي توترات من الانعكاس على الداخلين اللبناني والسوري.
كما أكد الشرع أن موقف سوريا ثابت لجهة أن الاستقرار الحقيقي يفرض التزامًا دوليًا بإلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مدينًا الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، ومعوّلًا على دور فرنسي في وقفها.
وتأتي هذه المواقف في وقت لا ينفصل فيه الاستقرار السوري عن الواقع اللبناني، خصوصًا أن لبنان يتأثر مباشرة بأي تطور أمني أو سياسي في سوريا، سواء على مستوى الحدود، أو ملف النازحين، أو حركة التجارة، أو التوازنات الإقليمية. ومن هنا، بدا كلام الشرع عن لبنان رسالة سياسية واضحة إلى الداخل اللبناني والمجتمع الدولي، بأن دمشق تضع استقرار لبنان وسيادته ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
وفي البعد السياسي والدبلوماسي، أعلن الشرع الاتفاق على تبادل السفراء بين دمشق وباريس، معتبرًا أن زيارة ماكرون تشكل علامة تاريخية فارقة، وتتوج مسارًا من العمل المشترك الهادئ والعميق بين البلدين.
وأشار إلى أن سوريا تواصل المضي بإيجابية في استكمال مسار الاندماج الوطني، لافتًا إلى أن الجولة التي قام بها مع ماكرون في دمشق القديمة عكست اهتمامًا بإبراز الإرث الحضاري والثقافي السوري، من مساجدها وكنائسها وخاناتها، وصولًا إلى الجامع الأموي، بما يحمله ذلك من رمزية تاريخية وثقافية.
وفي الملف الاقتصادي، أكد الشرع أن سوريا تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، داعيًا المستثمرين ورواد الصناعة حول العالم إلى المشاركة في إعادة الإعمار وبناء مستقبل اقتصادي جديد للبلاد.
وقال إن سوريا تفتح أبوابها لشراكة متكافئة من خلال موقعها بين الشرق والغرب، مشيرًا إلى أن البلاد تمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط البحر المتوسط بالخليج والعراق، وأن أهمية هذا الموقع تتزايد في ظل حاجة العالم إلى ممرات تجارية آمنة ومستقرة، بما يعزز دور سوريا كمحور رئيسي في حركة النقل والتجارة الإقليمية والدولية.
ولفت الشرع إلى أن تطوير البنية التحتية يمثل أولوية في المرحلة المقبلة، موضحًا أن المشاريع المطروحة تشمل تحديث الموانئ والمطارات، وتجديد أسطول الطيران، وتطوير أنظمة الملاحة الجوية، إضافة إلى استكشاف مصادر الطاقة، وتحديث شبكات الكهرباء والمياه، ودعم قطاعات الصحة والصناعات الغذائية والتحول الرقمي.
وأكد أن المدن الصناعية السورية جاهزة لاستقبال الاستثمارات، مشددًا على أن العمل جارٍ لتوفير بيئة اقتصادية حديثة تقوم على القوانين والمؤسسات، وتشجع الشراكات طويلة الأمد.
واعتبر الشرع أن الشراكة الاستراتيجية مع فرنسا تمثل نموذجًا للعلاقات الاقتصادية التي تسعى سوريا إلى تطويرها مع أوروبا والعالم، على أساس المصالح المشتركة والمشاريع التي تسهم في دعم التنمية وإعادة الإعمار.
وكشف أن النقاشات مع الجانب الفرنسي أثمرت رزمة استراتيجية من الاتفاقيات والعقود مع كبرى الشركات الفرنسية، مؤكدًا أن ما يتم التأسيس له اليوم هو شراكة مبنية على مشاريع ملموسة تخدم الشعبين السوري والفرنسي.
من جهته، عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تأثره بالعودة إلى سوريا والوجود في دمشق، مؤكدًا أن فرنسا تشيد بالشعب السوري بأكمله، وأنها رافقت السوريين بثبات في مواجهة النظام السابق والجماعات المسلحة.
وأشار ماكرون إلى أن زيارته إلى دمشق تحمل بُعدًا سياسيًا ورمزيًا، في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى فتح صفحة جديدة مع أوروبا والعالم، وإعادة بناء علاقاتها الخارجية على قاعدة الاستقرار والتعاون وإعادة الإعمار.
وتكتسب الزيارة الفرنسية إلى دمشق أهمية استثنائية لأنها تأتي بعد سنوات طويلة من القطيعة السياسية بين سوريا وعدد من العواصم الغربية، وبعد تحولات كبيرة شهدتها البلاد منذ نهاية عام 2024. كما تعكس الزيارة رغبة فرنسية في الحضور داخل مسار إعادة الإعمار، وفي مواكبة المرحلة السورية الجديدة، سواء عبر العلاقات الدبلوماسية أو من خلال الشركات والاستثمارات.
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن أي انفتاح اقتصادي وسياسي على سوريا ينعكس مباشرة على واقعه، خصوصًا أن الحدود المشتركة، والمعابر، وحركة الترانزيت، وملف النازحين، والتبادل التجاري، كلها ملفات تجعل بيروت معنية بمسار الاستقرار السوري. ولذلك، فإن تأكيد الشرع على سيادة لبنان واستقراره يشكل رسالة تطمين سياسية في لحظة إقليمية دقيقة.
وبين الرسالة إلى لبنان، والموقف من الاعتداءات الإسرائيلية، والانفتاح على فرنسا، بدا مؤتمر الشرع وماكرون محاولة لرسم ملامح مرحلة سورية جديدة تقوم على تثبيت الاستقرار، واستعادة العلاقات الدبلوماسية، وجذب الاستثمارات، وربط إعادة الإعمار بموقع سوريا الجغرافي ودورها الإقليمي.
