ذكرت صحيفة “The Christian Science Monitor” الاميركية، انه في خضمّ الضجة السياسية والدبلوماسية المرتبطة بمذكرة التفاهم الهشة الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران، اتخذت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أواخر الأسبوع الماضي خطوات باتجاه معالجة نزاع آخر معقّد في الشرق الأوسط، لكن بأسلوب مختلف هذه المرة.

وحسب المقال الذي ترجمه “لبنان٢٤”، فإن النهج الجديد اعتمد على مسار التفاوض الدقيق، والصياغة المتأنية، والتوافق الصريح على الأهداف المشتركة، إلى جانب وضع بنود تفصيلية للتنفيذ، وهي عناصر لطالما ميّزت الدبلوماسية التقليدية.

ورغم الطابع الطموح لـ«الإطار الثلاثي» الذي أُعلن الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، إلى جانب مبعوثين من البلدين، فإن الاتفاق لا يزال يواجه عقبات كبيرة أمام هدفه المعلن المتمثل في «إنهاء الصراع» وتحقيق «سلام دائم».

وفي إشارة إلى طبيعة هذا المسار الطويل، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاتفاق بأنه مجرد «بداية البداية»، مؤكدًا أن «طريقًا طويلًا من العمل» لا يزال ينتظر الأطراف المعنية.

وتشير الصحيفة إلى أن هذا النهج يمثل تحولًا لافتًا مقارنةً بمقاربات ترامب الدبلوماسية الأخرى منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، والتي غالبًا ما اتسمت بالإعلانات السريعة عن تحقيق «السلام» من دون تفاصيل تنفيذية دقيقة.

ففي مذكرة التفاهم مع إيران، اكتفى النص بوثيقة قصيرة من بضع صفحات تتضمن نقاطًا عامة قابلة لتفسيرات مختلفة بين الطرفين، من دون إطار تنفيذي متكامل.

أما في ملفات أخرى، فقد اعتمد ترامب على اللقاءات المباشرة مع القادة المتخاصمين والإعلان الفوري عن تحقيق اختراقات سياسية، تاركًا التفاصيل العملية للأطراف لاحقًا.

وكانت أبرز مبادراته في الشرق الأوسط قبل ذلك خطة من 20 بندًا لإنهاء الحرب في غزة، تضمنت انسحابات إسرائيلية تدريجية، ونزع سلاح القطاع، وتشكيل إدارة فلسطينية «تقنية وغير سياسية»، إضافة إلى قوة دولية لضمان الأمن وخطة اقتصادية لإعادة الإعمار.

لكن تلك الخطة، ورغم إعلان نجاحها لاحقًا، لم تُترجم إلى تطبيق فعلي متكامل، إذ بقيت بنود أساسية مثل نزع السلاح ونشر القوة الدولية وإعادة الإعمار من دون تنفيذ واضح.

وفي المقابل، يتميّز الاتفاق الجديد مع لبنان وإسرائيل، حسب الصحيفة، بأنه يضع تصورًا تفصيليًا لعملية تدريجية تهدف إلى معالجة جوهر النزاع المتمثل بحزب الله.

فالحزب، رغم ما تعرض له من استنزاف عسكري وتراجع في قدراته، لا يزال القوة المسلحة الأبرز في لبنان ويحظى بدعم متجدد من إيران.

ويقوم الاتفاق على مبدأ أن الطرفين يسعيان إلى إنهاء وضع حزب الله كـ«جماعة مسلحة غير حكومية»، في حين يريد لبنان تعزيز دور جيشه في ضبط الأمن، بينما تصر إسرائيل على إنهاء التهديدات الصاروخية والمسيّرات الموجهة ضد مدنييها.

وتتضمن الخطة مسارًا تدريجيًا متبادلًا، ينتقل فيه الجيش اللبناني إلى تولي المسؤوليات الأمنية في الجنوب، مقابل سحب تدريجي لمقاتلي حزب الله وبناه التحتية، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي مرحلي.

لكن العقبات الأساسية، حسب الصحيفة، تبقى كبيرة، إذ إن الجيش اللبناني لا يمتلك القدرة الكافية لفرض سيطرته بالقوة على حزب الله، في حين يتجنب الدخول في مواجهة مباشرة خشية الانزلاق إلى حرب أهلية.

من جهة أخرى، لا تظهر إسرائيل حتى الآن استعدادًا واضحًا للانسحاب من الأراضي التي أعادت التمركز فيها جنوب لبنان، فيما يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأكيد بقاء قواته حتى «هزيمة حزب الله بالكامل».

وترى الصحيفة أن نجاح هذا المسار سيعتمد على تطبيق تدريجي لكل خطوة صغيرة، بحيث يبني كل تقدم محدود زخمًا سياسيًا يدفع الأطراف إلى الاستمرار.

لكن هذا المسار لن يتوقف فقط على قرارات بيروت أو تل أبيب، بل سيعتمد بشكل أساسي على الدور الأميركي، الذي يشمل دعم الجيش اللبناني، وتوفير مساعدات إنسانية واقتصادية، والمشاركة في مراقبة وتنفيذ الاتفاق.

وفي المحصلة، فإن التقدم الفعلي قد يرتبط بقدرة واشنطن على الالتزام بدورها التنفيذي، في تحول واضح عن بعض أنماط الدبلوماسية السابقة لإدارة ترامب، حيث شددت الإدارة هذه المرة على أن الولايات المتحدة «ستبقى منخرطة بالكامل» في هذا المسار.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version