لم تكد تمضي أيّام قليلة على توقيع “اتفاق الإطار” الأمني الأخير بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية، حتى سارعت القيادة الإسرائيلية إلى حقل الألغام الإعلامي مجددًا. ففي بيان مشترك لافت يحمل توقيع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، أعلنت تل أبيب عن تدمير نفق لـ”حزب الله” في بلدة مجدلزون جنوبي لبنان بطول 200 متر وعمق 25 مترًا، ضمن ما سمّته عملية “نهاية المطاف”. وقد أدّى التفجير الذي استعمل فيه أكثر من 80 طنًا من المتفجرات إلى شطر البلدة إلى شطرين من شدّة قوته ووصل صوت دويه إلى مناطق بعيدة عن المنطقة.
سبق هذا الإعلان هجوم تولته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، الكابتن إيلا واوية، وجهت فيه أصابع الاتهام مباشرة إلى الجيش اللبناني، مدعيةً أنه “قصّر في عمله” جنوب نهر الليطاني ولم يتعامل مع هذا النفق.
بيد أن هذا الضخ الإعلامي المكثف، والذي حرصت تل أبيب على إرفاقه ببيان يفيد بـ”إبلاغ واشنطن مسبقاً بالعملية”، لا يمكن قراءته بعيدًا عن التوقيت السياسي الحرج. فالتدقيق في المعطيات الميدانية التي حصلت عليها “المدن” من مصادر مطلعة، يكشف أن الاستهداف الإسرائيلي للمؤسسة العسكرية اللبنانية في هذا التوقيت بالذات، ليس تعليقًا على خرق أمني، بل هو محاولة استباقية لابتزاز الجيش، وهندسة وقائع ميدانية تفرض شروطًا تفسيرية خاصة على “اتفاق الإطار” الوليد.
نفق مجدلزون: الحقيقة تسقط “البروباغندا”
تؤكد المعطيات الموثقة أن نفق بلدة مجدلزون (وادي حسن) لم يكن مُدرجًا أساسًا على قوائم الاستكشاف، لا من قبل الجيش اللبناني، ولا حتى من قبل الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية التي لطالما تباهت بامتلاكها مسحًا شاملًا للجنوب. لقد اكتشف الجيش الإسرائيلي هذا النفق في الآونة الأخيرة فقط، وخلال توغلاته الميدانية البرية.
يكمن الدليل الدامغ على ذلك في السلوك العسكري الإسرائيلي نفسه. إذ لو كانت تل أبيب على علم مسبق بوجود هذا النفق، لما توانت لحظة واحدة عن استهدافه أو محاولة تدميره عبر الغارات الجوية المكثفة، حتى في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الأخيرة. والتاريخ القريب يقدم نموذجًا واضحًا: فكل المنشآت التي امتلك الاحتلال معلومات دقيقة عنها، كمنشأة “علي الطاهر”، جرى استهدافها بشكل مركز وعنيف عسكريًا قبل الحرب وخلالها. بناءً على ذلك، فإن اتهام الجيش اللبناني بـ”التقصير” في التعامل مع نفق سري لم يكن أحد يعلم بوجوده، هو تناقض منطقي وعسكري فج.
علاوة على ذلك، ثمة تفصيل جغرافي وعملياتي بالغ الأهمية يسقط المزاعم الإسرائيلية. إذ يقع نفق مجدلزون في عمق النسيج العمراني، أي “داخل البلدة” وليس في أحراجها أو خراجها المفتوح. هذا الفارق اللوجستي يغير تمامًا من طبيعة الرقابة العسكرية في ظروف السلم. إذ يصعب رصد مثل هذه الإنشاءات السرية داخل الملكيات الخاصة والمناطق السكنية المأهولة دون معلومات استخباراتية فوق – أرضية دقيقة، وهي معطيات لم تكن متوفرة لأي طرف قبل التوغل البري. ناهيك بأنه في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الحرب الجديدة كان النّقاش مستفيضًا داخل لجنة “الميكانيزم” حول تفتيش الأملاك الخاصة من دون إشارة قضائية، وكان الموقف الأميركي أقرب إلى وجهة النظر اللبنانية حول احترام الممتلكات الخاصة في حال التفتيش، أي ضمن الأصول القانونية.
فخ الابتزاز: من “القنطرة” إلى تجاوز القنوات الدولية
في السياق ذاته، يبرز نفق بلدة “القنطرة” كشاهد آخر على التضليل الإسرائيلي المستمر. هذا النفق، الذي بث الإعلام العسكري الإسرائيلي مشاهد لتفجيره بهدف إحراج بيروت، كان في الواقع نفقًا “مُعطلًا بالكامل” من قبل الجيش اللبناني في فترة سابقة.
لقد أفرغ الجيش اللبناني، أثناء تعزيز انتشاره في جنوب الليطاني، نفق القنطرة من أي سلاح أو عتاد، وجرّده من فعاليته العسكرية تمامًا، بحيث أصبح مجرد هيكل خرساني فارغ تحت الأرض. وعندما دخله جنود الاحتلال، كانوا يعلمون علم اليقين أنه نفق “ميت عسكريًا”، ومع ذلك، جرى تفجيره واستعراضه كإنجاز استراتيجي لخدمة سردية “تقصير الجيش اللبناني”.
السؤال المقلق هنا: لماذا يصر الثنائي نتنياهو – كاتس على تضخيم هذه العمليات وتوجيه السهام نحو الجيش اللبناني بالتزامن مع توقيع اتفاق الإطار؟
الإجابة تكمن في الرغبة الإسرائيلية الدفينة في ابتزاز المؤسسة العسكرية، وجرّها قسرًا إلى قنوات “تواصل مباشر” مع الجانب الإسرائيلي تحت وطأة التهديد الإعلامي والميداني. تسعى تل أبيب، عبر هذا الضغط، إلى القفز فوق مظلة الأمم المتحدة (اليونيفيل)، والالتفاف على “لجنة الميكانيزم” والوساطة الأميركية. تريد إسرائيل خلق واقع يفرض تنسيقًا أمنيًا مباشرًا بعيدًا عن القنوات الدولية الرسمية.
مسيّرات مجدلزون: “خردة” قديمة لا قيمة لها
تكتمل فصول “البروباغندا” الإسرائيلية بالحديث عن العثور على طائرات مسيرة ومنصات إطلاق داخل نفق مجدلزون، في محاولة للإيحاء بأن النفق كان يمثل خطرًا استراتيجيًا داهمًا أو قاعدة انطلاق لعمليات نوعية حديثة ضد البلدات الشمالية.
لكن المصادر المطلعة تؤكد لـ”المدن” أن الطائرات المسيرة التي عُثر عليها داخل النفق هي طائرات إيرانية الصنع من طرازات قديمة، وتكاد تكون خارج الخدمة الفعلية. هذه المسيرات لا تمت بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، للترسانة الحالية التي يعتمد عليها “حزب الله” في عمليّاته، حيث يستخدم الحزب اليوم منظومات متطورة تعتمد على تقنيات الألياف الضوئية (Fiber Optics) والتحكم الرقمي المعقد. هذا التفصيل التقني يثبت مجددًا أن النفق المستهدف لم يكن منشأة حيوية نشطة في الحرب الحالية، بقدر ما كان مستودعًا لا قيمة عسكريّة له بمعايير الحزب الجديدة، عثر عليه الاحتلال بالصدفة وقرر استثماره سياسيًا.
حصيلة الجيش: “الميكانيزم” الأميركي يشهد
إن اتهام الجيش اللبناني بالتقصير يتجاهل عمدًا الحصيلة الضخمة والجهود الجبارة التي بذلتها الوحدات العسكرية اللبنانية على مدى الأشهر الخمسة عشر التي سبقت الحرب. ووفقاً للأرقام والمعطيات، فقد تعامل الجيش اللبناني بنجاح وحزم مع أكثر من 100 نفق ومنشأة عسكرية في منطقة جنوب الليطاني، وفككها كليًا.
والمفارقة هنا هي أن العديد من تلك الأنفاق التي فككها الجيش اللبناني تفوق نفق مجدلزون في أهميتها العسكرية، وحجمها، وضخامتها بأضعاف كثيرة. ولم تكن هذه العمليات تجري في الخفاء، بل كانت تحت إشراف وإحاطة كاملة من لجنة “الميكانيزم” المشتركة، التي تضم ضباطاً أميركيين بارزين وقيادات رفيعة من القيادة المركزية للجيش الأميركي (CENTCOM). هذه اللجنة الدولية على دراية تامة بالجهد العملياتي الذي بذله الجيش اللبناني لحفظ الاستقرار وتطبيق القرارات الدولية، وهي تشهد على بطلان الاتهامات الإسرائيلية.
في المحصلة، يتضح أن حملة “البروباغندا” الإسرائيلية التي توجها بيان نتنياهو وكاتس حول نفق مجدلزون، ليست مجرد حدث أمني معزول، بل هي محاولة إسرائيلية مبكرة لـ”تفسير” مفاعيل اتفاق الإطار الجديد بالحديد والنار. تسعى إسرائيل من خلال مواصلة عملياتها تحت مسمى “نهاية المطاف” وشيطنة الجيش اللبناني، إلى تبرير بقاء قواتها في “المنطقة الأمنية الموسعة” وفرض شروط ميدانية قاسية تحت ذريعة عدم جهوزية الجيش اللبناني لاستلام المهام.
