لم يعد لبنان أسير “اتفاقين” يُعلَن عنهما، بل بات رهينة واقعين متوازيين تكرّسا على الأرض بعدما تجاوزا لحظة التوقيع. ما كان يُوصف بـ”إعلان نيّات” في واشنطن، وما رُوّج له كـ”إطار حقيقي” في سويسرا، تحولا من نصوص على ورق إلى مسارين سياسيين وأمنيين يحكمان البلد بالتوازي: مسار تمثّله الدولة بدعم أميركي سعودي، ومسار يتمسك به حزب الله مدعوماً بتفاهم طهران – واشنطن.
الصراع لم يعد على من يوقع أولاً، بل على من يفرض وقائع ميدانية ودستورية أولاً. ومع مرور الأسابيع، تحوّل الاتفاقان القديمَان إلى بنية انقسام مؤسساتي: حكومة تتحرك بوحي واشنطن، ومقاومة تتحصن بوحي سويسرا. وبينهما، تتمدّد الهوة الداخلية من سجال حول الشرعية إلى تحذيرات علنية من فتنة، فيما تتبادل المحاور الإقليمية والدولية الأدوار على رقعة لبنانية مكشوفة.
فاتفاق الإطار الذي رعته واشنطن حظي بترحيب أميركي صريح. اتصال الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالرئيس جوزاف عون وتهنئته له، وعبارة “أراك قريباً”، عزّزت انطباع أركان الحكم بأنه مدخل واقعي لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال بدلاً من “الانزلاق إلى حرب عبثية”. غير أن الثنائي الشيعي تلقّاه كصدمة، خصوصاً بعد تسريب وجود “ملحق أمني” غير منشور يكرّس حرية عمل الجيش الإسرائيلي داخل “الخط الأصفر”، ويعلّق أي انسحاب على اختبار النتائج ميدانياً لا على جدول زمني.
رفض حزب الله كان قاطعاً. الأمين العام نعيم قاسم وصف الاتفاق بـ”السقطة المريعة” و”صك استسلام”، ودعا إلى تطبيق مندرجات “مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية” بدلاً منه. النائب حسن فضل الله ذهب أبعد، معتبراً أن السلطة وقّعت “صك استسلام” ووضع نتنياهو والسلطة اللبنانية في خندق واحد، واصفاً إياهم بـ”قطاع طرق”. هذا الخطاب، الذي يضع الدولة والعدو في سلة واحدة، هو تطور نوعي يدفع الساحة نحو شرخ أعمق. فالحزب يرفض أي تجاوب مع الحكومة، ويعتبر الاتفاق منعدم الوجود.

الرئيس نبيه بري يختصر المشهد: “الاتفاق هو ضد نفسه ولا يمكن أن يُطبّق”. بالنسبة إليه، صُمم “لزرع الفتنة بين اللبنانيين”، وهو ما لن يسمح به. بري يشدد على أن لبنان لا يزال يلتزم مقررات الجامعة العربية، وأن هناك اتفاقاً قائماً هو اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، إضافة إلى الاتفاق الإيراني الأميركي الذي “يذكر لبنان بالاسم ثلاث مرات”. خلاصته: لا مرور للاتفاق، والأولوية لوحدة الموقف الداخلي.
هذا الانقسام الذي تتحدث عنه وسائل إعلام إسرائيلية وتدور حوله النقاشات في الأروقة الدبلوماسية، يضع البلاد أمام معادلة خطرة: إذا بدأ العمل الجدي من قبل الدولة على تطبيق الاتفاق، فإن المواجهة الكبرى تصبح احتمالاً واقعياً. فالنقاش الدستوري حول إلزامية “إعلان النيّات” وهل يُعرض على مجلس الوزراء أم لا، يفتح حقل ألغام سياسياً. ميدانياً، إسرائيل تتمسك بـ”المنطقة الأمنية” وتربط الانسحاب الكامل بنزع سلاح حزب الله، فيما تستمر الخروقات والغارات. وبذلك يتحول الاتفاق من خريطة طريق إلى شرارة مواجهة.
الانقسام اللبناني له مرآة إقليمية. السعودية تتبنى اتفاق الإطار الموقّع في واشنطن، وتسعى عبر موفدها الأمير يزيد بن فرحان لإنجاحه من خلال مؤسسات الدولة الشرعية. في المقابل، تنأى قطر بنفسها عنه، وتسعى لاستضافة اجتماع منبثق عن التفاهم الأميركي الإيراني في سويسرا، بمشاركة ممثل عن حزب الله، وفق تسريبات قريبة من الدوحة. هذا التباين يعكس سباق محاور: محور “الشرعية” الذي تدعمه الرياض وواشنطن، ومحور “المقاومة” الذي تؤطره طهران وتستضيفه الدوحة. فإيران، كما نقل رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف لبري، تصر على شمول لبنان بالاتفاق مع واشنطن، وأن محادثات سويسرا أفضت إلى إنشاء وحدة لضبط النزاع بمشاركة إيران وأميركا ولبنان.
المشهد الأميركي نفسه منقسم في التكتيك موحّد في الاستراتيجية. في سويسرا، يلعب نائب الرئيس جيه دي فانس والمستشار جيريد كوشنير دوراً محورياً مع المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف في التفاوض مع طهران. في واشنطن، يدير وزير الخارجية ماركو روبيو مسار الاجتماعات اللبنانية الإسرائيلية التي أنتجت اتفاق الإطار. هذا التوزيع يسمح لواشنطن بإمساك الخيوط كلها: ترضي إسرائيل عبر مسار واشنطن، وتفتح قناة مع طهران عبر سويسرا، وتبقي للبنان هامش المناورة بين شرعيتين.
لبنان اليوم لم يعد يحكمه اتفاقان على الورق، بل واقعان يلغي أحدهما الآخر. واقع واشنطن يمنح الدولة غطاءً دولياً لكنه يصطدم برفض الحزب ويفتقر إلى آلية انسحاب ملزمة. واقع سويسرا يمنح الحزب غطاءً إيرانياً لكنه يقوّض الدولة ويسقطها من المعادلة. بينهما، تتصارع السعودية وقطر، وتتوزع أدوار واشنطن، ويقف الداخل اللبناني على فالق زلزالي.
وعلى ارض الواقع اللبناني لا تطبيق بلا انفجار، ولا تراجع بلا ثمن. فإما أن تفرض الدولة واقعها وتدخل في صدام مع حزب يملك السلاح والشارع، وإما أن يفرض الحزب واقعه وتدخل الدولة في فراغ الشرعية. وفي الحالتين، الخاسر هو لبنان الذي يتحول ساحة لتصفية حسابات من طهران إلى تل أبيب، ومن الرياض إلى الدوحة، بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي “تحت الاختبار” والسيادة “معلّقة” إلى إشعار تفاهم آخر.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version