رأى المحلل العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي أن أهمية اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل لا تكمن في تفاصيل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، التي لم تُحسم بالكامل بعد، بل في المبادئ السياسية والأمنية التي يكرسها، معتبرًا أن نجاحه سيبقى مرهونًا بمدى القدرة على تنفيذها على الأرض، في ظل تجارب سابقة انتهت إلى الفشل.
وبحسب تحليل نشره بن يشاي في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن تفاصيل الاتفاق الموقّع في وزارة الخارجية الأميركية لم تُنشر كاملة حتى الآن، كما لم يُكشف عن الجدول الزمني لتنفيذه، ولا عن الحجم النهائي للمناطق أو “مناطق التجريب” التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن هذه التفاصيل قد لا تكون قد حُسمت أصلًا، وأن ما جرى التوصل إليه هو اتفاق مبدئي بالدرجة الأولى.
ويرى الكاتب أن القيمة الحقيقية للاتفاق تكمن في المبادئ التي أعلن لبنان وإسرائيل موافقتهما عليها، معتبرًا أنها تكتسب أهمية خاصة في ظل ما وصفه بمحاولات إيران إعادة فرض نفوذها على لبنان وإعادة حزب الله إلى موقع “الوكيل الكامل” لطهران داخل البلاد.
ويقول إن المبدأ الأول يتمثل في الاعتراف المتبادل بسيادة كل من لبنان وإسرائيل. وبحسب تفسيره، فإن ذلك يعني أن أي مواطن لبناني، حتى لو كان من حزب الله، لا يملك شرعية تنفيذ عمليات ضد إسرائيل من دون قرار صريح من الحكومة اللبنانية.
وفي المقابل، يعتبر أن إعلان إسرائيل احترام سيادة لبنان يعني استعدادها للانسحاب إلى الحدود الدولية عندما يزول التهديد الآتي من جنوب لبنان، مع الاستعداد لبحث النقاط الحدودية الـ13 المختلف عليها بين البلدين، وهو ما يراه خطوة أولى نحو إنهاء حالة الحرب، حتى وإن لم يصل الأمر إلى سلام أو تطبيع.
أما المبدأ الثاني، الذي يعتبره الكاتب الأكثر أهمية في المرحلة الحالية، فهو أن انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان ليس تلقائيًا، بل مشروط بعدم عودة حزب الله إلى المنطقة وبنزع سلاحه. ويضيف أنه في حال عدم تحقيق ذلك، فإن إسرائيل، من وجهة نظره، ستكون قادرة على مواصلة وجودها داخل المنطقة الأمنية التي تسيطر عليها حاليًا.
وفي هذا السياق، يشير بن يشاي إلى أن إيران تطالب بانسحاب إسرائيلي كامل من لبنان كشرط لموافقتها على توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة، لكنه يعتبر أن الاتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية مباشرة وبدعم من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوجه رسالة معاكسة إلى طهران مفادها أن الملف اللبناني ليس شأنًا إيرانيًا، وأنه يجب الفصل بين الساحة اللبنانية والنفوذ الإيراني.
ويضيف أن المبدأ الثالث يتمثل في أن أي انسحاب إسرائيلي من المنطقة الأمنية جنوب وشرق “الخط الأصفر” سيبقى مرتبطًا بأداء الجيش اللبناني، وبنتائج عمل الجهة الأميركية التي ستتولى مراقبة نزع السلاح والتحقق من تنفيذ الالتزامات، إضافة إلى الآلية العامة التي ستشرف على تنفيذ الاتفاق.
وبحسب الكاتب، فإن إسرائيل لا تلتزم لا سياسيًا ولا عمليًا بالانسحاب الكامل من المنطقة الأمنية، بل تتعامل مع الأمر كعملية تدريجية مشروطة، قد تتحول لاحقًا إلى نموذج يمكن تطبيقه في غزة وربما في سوريا.
ويعتبر بن يشاي أن حزب الله، وفق هذا الاتفاق، يفقد المبرر الذي يطرحه لتقديم نفسه بوصفه “حامي لبنان”، لأن الحكومة اللبنانية، بحسب قراءته، باتت تقول للحزب إنه يعرقل عودة نحو مليون شيعي إلى قراهم، ويتحمل مسؤولية الدمار الذي أصابها.
كما يشير إلى أن أحد عناصر القوة في الاتفاق يتمثل في الحوافز الأميركية الممنوحة للبنان، والتي تبلغ 130 مليون دولار، موزعة بين 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية و30 مليون دولار كمساعدات عسكرية، معتبرًا أن هذا الدعم يمنح الدولة اللبنانية مصلحة اقتصادية مباشرة في تنفيذ الاتفاق، إلى جانب المصلحة الأمنية والسياسية.
ورغم هذه الإيجابيات، يدعو الكاتب إلى عدم المبالغة في التفاؤل، مستذكرًا اتفاق عام 1983 بين لبنان وإسرائيل الذي لم يُصادق عليه البرلمان اللبناني ولم يدخل حيز التنفيذ، كما يستحضر القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن بعد حرب تموز، معتبرًا أنه بقي إلى حد كبير “حبرًا على ورق”.
ويخلص بن يشاي إلى أن الاتفاق الحالي قد يختلف عن التجارب السابقة بسبب الانخراط الأميركي المباشر، إلا أنه يشدد على أن الحكم الحقيقي لن يكون على النصوص، بل على قدرة الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية على تحويل المبادئ العامة إلى وقائع عملية على الأرض.
