قدّمت قطر نفسها لسنوات على أنها الوسيط الذي لا غنى عنه في الشرق الأوسط، لكن تقريرًا إسرائيليًا جديدًا يرى أن الدوحة نجحت، عبر المال وشبكات النفوذ، في التحول إلى لاعب مؤثر داخل مراكز القرار الغربية، وإلى حليف مقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت تتسع فيه أدوارها في غزة وإيران ولبنان. التقرير يعتبر أن إسرائيل بدأت تدفع ثمن سياسة طويلة تعاملت فيها مع قطر كوسيط تكتيكي من دون احتساب الكلفة الاستراتيجية.

وبحسب تقرير للصحافي إيتام ألمادون في القناة “N12″، فإن الأسبوع الذي أشاد فيه ترامب علنًا بأمير قطر ووصفه بأنه “شخص رائع”، وقدم الدوحة كشريك أساسي في التحركات الأميركية في الشرق الأوسط، أثار تساؤلات واسعة في إسرائيل حول كيفية تحول دولة تستضيف قيادة “حماس”، ومولت قطاع غزة لسنوات، وتمنح منبرًا دوليًا لجماعة الإخوان المسلمين، إلى الحليف المفضل للبيت الأبيض والوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران.

ويشير التقرير إلى أن السؤال لا يتعلق بقطر وحدها، بل أيضًا بإسرائيل، إذ اعتقدت الحكومات الإسرائيلية لسنوات أنه يمكن الاستفادة من الدوحة في ملفات محددة من دون دفع ثمن استراتيجي. فقد كانت قطر قناة التواصل مع غزة، والوسيط مع “حماس”، والعنوان لنقل الرسائل، لكن مراجعات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية خلصت، بحسب التقرير، إلى أن قطر استفادت من إسرائيل أكثر مما استفادت إسرائيل منها.

ونقل التقرير عن رئيس وحدة “تسلتسال” السابق في جهاز الموساد، الدكتور أودي ليفي، قوله إن الرأي العام يجد صعوبة في فهم كيف تستمر قطر في التمتع بدعم غربي رغم الاتهامات المتكررة لها بتمويل منظمات مسلحة والعمل ضد المصالح الإسرائيلية، معتبرًا أن “جمال الاستراتيجية القطرية” يكمن في تقديم نفسها وسيطًا موثوقًا، بالتوازي مع دعم ما وصفه بالإسلام الراديكالي ومساعدة منظمات متطرفة.

بدوره، رأى الباحث في شؤون قطر في جامعة أريئيل ومعهد القدس للاستراتيجية والأمن، الدكتور أريئيل أدموني، أن قطر دولة صغيرة ذات طموحات كبيرة، وأن هدفها الأساسي هو أن تصبح وسيطًا لا يمكن تجاوزه، حتى لو اضطرت إلى تحمل الانتقادات أو تقديم تنازلات، طالما أنها تبقى لاعبًا لا يمكن تجاهله.

ويستعرض التقرير مسيرة قطر منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت دولة هامشية تعتمد على النفط وصيد اللؤلؤ، قبل أن يشكل اكتشاف حقول الغاز العملاقة نقطة التحول التي جعلتها من أغنى دول العالم، مع تعداد سكاني يبلغ نحو 3 ملايين نسمة، يشكل المواطنون القطريون نحو عُشرهم فقط.

ويؤكد التقرير أن الأمير حمد بن خليفة آل ثاني أدرك مبكرًا أن بلاده لا تستطيع أن تصبح قوة عسكرية، فاختار تحويلها إلى “قوة نفوذ”، مستفيدًا من عائدات الغاز لإنشاء صندوق الثروة السيادية الذي يدير أصولًا بقيمة تقارب 600 مليار دولار، والاستحواذ على أصول استراتيجية مثل بنك “باركليز”، ومتجر “هارودز”، ونادي باريس سان جيرمان، إضافة إلى استثمار أكثر من 200 مليار دولار في استضافة كأس العالم 2022، وهو ما اعتبره التقرير استثمارًا في الصورة والنفوذ أكثر منه مشروعًا اقتصاديًا.

ويقول القنصل الإسرائيلي السابق في لوس أنجلوس ياكي دايان، بحسب التقرير، إن هذه الاستثمارات ليست ناتجة عن حب لكرة القدم، بل هي جزء من استراتيجية تهدف إلى تحويل اسم قطر إلى علامة عالمية.

ويرى التقرير أن المال وحده لم يكن كافيًا، إذ استثمرت قطر خلال العقد الأخير نحو 250 مليون دولار في جماعات الضغط والعلاقات العامة داخل الولايات المتحدة، ونظم ممثلوها خلال السنوات الأربع الماضية 627 اجتماعًا مباشرًا مع مسؤولين أميركيين، وهو العدد الأكبر مقارنة بأي دولة أخرى، كما عملت المدعية العامة الأميركية السابقة بام بوندي لصالحها.

كما ضخّت، بحسب التقرير، أكثر من 6 مليارات دولار في الجامعات الأميركية. ويستشهد بدراسة صادرة عن معهد NCRI بعد 7 تشرين الأول، خلصت إلى أن قطر هي أكبر ممول أجنبي للمؤسسات الأكاديمية الأميركية، وأن الجامعات التي تلقت تمويلًا من دول الشرق الأوسط شهدت ارتفاعًا في الخطاب المعادي لإسرائيل والحوادث المعادية لليهود بنسبة تصل إلى 300% مقارنة بمؤسسات لم تتلقَّ مثل هذا التمويل.

ويعتبر التقرير أن الاستراتيجية القطرية تقوم على بناء شبكة علاقات طويلة الأمد داخل الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية الغربية، بما يساهم في تشكيل النخب المستقبلية وصناعة السردية المؤثرة في الرأي العام.

وفي السياق نفسه، يتناول التقرير ما يعرف بقضية “قطر غيت” في إسرائيل، حيث تحقق السلطات في شبهات تتعلق بقيام مستشارين كبار في مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق الشبهات، بالعمل على تحسين صورة قطر والترويج لها والإضرار بالعلاقات الإسرائيلية – المصرية.

ويشير التقرير إلى أن نمط العمل القطري، بحسب الرواية الإسرائيلية، لا يقتصر على إسرائيل، بل ظهر أيضًا في أوروبا والولايات المتحدة، مستشهدًا بقضية “قطر غيت” في البرلمان الأوروبي، وبالتحقيقات الفرنسية المتعلقة بحملات نفوذ لصالح الدوحة، وبإدانة السيناتور الأميركي السابق بوب مينينديز بتلقي رشاوى ومنافع مقابل خدمة مصالح الحكومة القطرية.

ويضيف أن الاستثمارات القطرية أثمرت تحولًا في موقف ترامب، الذي كان قد وصف قطر في ولايته الأولى بأنها تمول “الإرهاب على مستوى عالٍ جدًا”، قبل أن تصبح، وفق التقرير، أحد أبرز شركائه الإقليميين. ويشير إلى علاقات اقتصادية جمعت شخصيات مقربة من ترامب، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بجهات قطرية، فضلًا عن استثمارات الدوحة الواسعة في السوق الأميركية، وصولًا إلى تقديم طائرة “بوينغ 747” تقدر قيمتها بنحو 400 مليون دولار لترامب بعد تجهيزها للاستخدام الرئاسي.

ويصف التقرير السياسة القطرية بأنها “لعبة مزدوجة”، إذ تستضيف أكبر قاعدة جوية أميركية في الشرق الأوسط، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات وثيقة مع إيران، وتتوسط بين إسرائيل و”حماس” بينما تستضيف قيادة الحركة، وتقدم نفسها كدولة معتدلة رغم اعتبارها، وفق التقرير، من أبرز داعمي جماعة الإخوان المسلمين.

ويذهب الدكتور أودي ليفي إلى القول إن قطر تمول “حماس” و”حزب الله” والحوثيين، وتساعد إيران على الالتفاف على العقوبات، فيما يرى أدموني أن الدوحة تتعامل في الوقت نفسه مع الشيعة والسنة والإسلاميين والعلمانيين، معتبرًا أن هذا ليس تناقضًا بل جوهر الاستراتيجية القطرية.

ويخصص التقرير مساحة واسعة لملف الأموال القطرية إلى غزة، موضحًا أنه منذ عام 2018 جرى تحويل 30 مليون دولار شهريًا إلى القطاع، ليصل إجمالي المبالغ إلى نحو ملياري دولار، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا منها ساعد “حماس” على ترسيخ حكمها وتعزيز قدراتها، بينما كانت إسرائيل تنظر إلى تلك الأموال على أنها وسيلة لتجنب انهيار إنساني في القطاع.

وينقل التقرير عن ليفي قوله إن قطر استطاعت بناء علاقات ثقة مع مسؤولين إسرائيليين، قبل أن تتحول هذه العلاقات، وفق روايته، إلى شراكات اقتصادية جذبت بعض الشخصيات الأمنية السابقة إلى مشاريع بملايين الدولارات، ما ساهم في ترسيخ ما وصفه بـ”القناعة الخاطئة” تجاه الدوحة.

ويشير التقرير إلى أن استضافة قطر لقيادة “حماس” قبل هجوم 7 تشرين الأول وبعده جعلت الانتقادات الموجهة إليها أكثر حدة، معتبرًا أنها لم تكن مجرد قناة اتصال، بل ساهمت، وفق الرؤية التي يعرضها التقرير، في تثبيت الحركة سياسيًا وماليًا.

وبحسب التقرير، فإن قطر بقيت بعد اندلاع الحرب لاعبًا أساسيًا في ملف الأسرى والمفاوضات، كما تسعى إلى لعب دور في إدارة “اليوم التالي” في قطاع غزة، من خلال دعم إقامة إطار فلسطيني موحد يضم غزة والضفة الغربية، إضافة إلى مشاركتها في مجلس إدارة “مجلس السلام” الخاص بالقطاع إلى جانب تركيا، خلافًا للموقف الإسرائيلي.

ويؤكد التقرير أن قطر أصبحت أيضًا قناة التفاوض الرئيسية بين واشنطن وطهران، رغم أن باكستان توصف رسميًا بالوسيط، مشيرًا إلى أنها لعبت دورًا حاسمًا في تقريب وجهات النظر بين الجانبين.

كما يرى التقرير أن توسع الدور القطري ينعكس أيضًا في لبنان، عبر المشاركة في “خلية منع الاحتكاك” الجديدة إلى جانب باكستان، في خطوة تعتبرها إسرائيل مؤشرًا إلى اتساع النفوذ القطري في الساحة اللبنانية، بعدما كان يتركز سابقًا في غزة.

وفي ختام التقرير، يعتبر كاتبه أن المواجهة مع قطر، من وجهة النظر الإسرائيلية التي يعرضها، لم تعد عسكرية، بل أصبحت معركة نفوذ وتأثير طويلة الأمد، تقوم على توظيف المال في السياسة والإعلام والجامعات والاقتصاد، وهو ما يجعل الدوحة، بحسب التقرير، لاعبًا إقليميًا يصعب تجاهل تأثيره في معادلات الشرق الأوسط.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version