لم تعد أزمة الطلاب اللبنانيين في سوريا مجرّد ملف جامعي مرتبط بمعادلة شهادات أو نقل مقررات بين بلدين، بل تحوّلت إلى قضية سياسية وتربوية وقانونية معقّدة، تتداخل فيها حسابات التعليم العالي مع تبدلات المشهد السوري، وارتدادات الحرب في لبنان، وحساسية المرحلة الجديدة التي تشهدها دمشق بعد سقوط النظام السابق.
في ظاهرها، تبدو الأزمة تقنية. طلاب لبنانيون كانوا يتابعون دراستهم في الجامعات السورية، بعضهم في اختصاصات دقيقة، وجدوا أنفسهم فجأة أمام مصير غير واضح، بين صعوبة استكمال الدراسة في سوريا، وتعقيدات الانتقال إلى الجامعات اللبنانية، ومتطلبات معادلة الشهادات والمقررات.
لكن في العمق، يتبيّن أن الملف أكبر من إجراء إداري، لأنه يفتح باباً على أسئلة تتصل بمعايير القبول، وخلفيات بعض الملفات الجامعية، وآليات التحقق من المسارات الأكاديمية، إضافة إلى مصير الطلاب السوريين الذين درسوا في لبنان ويريدون بدورهم العودة إلى سوريا لاستكمال مسارهم الجامعي في بلد يشهد تحولات واسعة.
في قلب الأزمة، يقف طلاب لبنانيون يخشون خسارة سنوات من الدراسة والتعب والمال، بعدما دخلت ملفاتهم في مسار شائك بين لبنان وسوريا. فبعض هؤلاء كان على أبواب التخرج، وبعضهم قطع شوطاً متقدماً في اختصاصه، قبل أن تتبدل الظروف وتصبح العودة إلى لبنان أو الاستمرار في سوريا مسألة محفوفة بالتعقيدات.
وبحسب معطيات متداولة، فإن عدداً من الطلاب اللبنانيين الذين درسوا في الجامعات السورية يواجهون صعوبة في معادلة شهاداتهم أو متابعة تحصيلهم في لبنان، نتيجة غياب مسار استثنائي واضح يأخذ في الاعتبار الظروف التي دفعتهم إلى مغادرة سوريا أو تعليق دراستهم هناك. فالقوانين اللبنانية الناظمة لمعادلة الشهادات والتخصصات تتعامل مع الملفات وفق قواعد عامة، بينما يطالب الطلاب بمقاربة خاصة تدرس كل حالة على حدة، منعاً لتحويل الأزمة إلى عقوبة جماعية غير معلنة.
وتزداد المشكلة تعقيداً في الاختصاصات الطبية، حيث لا يكفي أن يقدّم الطالب كشف علامات أو إفادة تسجيل، بل تدخل في الاعتبار المقررات، وعدد الساعات، وطبيعة التدريب السريري، واللغة المعتمدة، والسنوات المنجزة، وإمكانية الخضوع لامتحانات أو مواد استلحاقية. وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل يُطلب من الطالب أن يعيد سنوات كاملة من دراسته؟ أم يمكن اعتماد آلية تقييم أكاديمي دقيقة تحدد ما أنجزه فعلاً، وما يحتاج إلى استكماله فقط؟
وفي موازاة هذا المسار، دخل الملف في سوريا مرحلة أكثر حساسية، بعد صدور مطالبات من داخل المجتمع الطلابي السوري بفتح ملفات بعض الطلاب اللبنانيين الذين درسوا في الجامعات السورية، والتدقيق في خلفيات قبولهم ومساراتهم الجامعية، خصوصاً في الاختصاصات الطبية.
وفي هذا السياق، تتحدث مطالبات طلابية في جامعة دمشق عن ملف الطالب اللبناني جعفر إدريس في كلية الطب البشري، المقيم في اختصاص الأذنية، إذ وردت بشأنه شهادات إلى رئاسة الجامعة وإدارة الكلية تطالب بوقف مناقشته القريبة والتحقق من خلفيته كعنصر في حزب الله شارك في القتال في سوريا. وبحسب هذه المطالبات، أُبلغ بعض الطلاب بأن المناقشة ستتوقف، قبل أن تتحدث مصادر طلابية عن احتمال إجرائها بشكل غير معلن، ما أثار اعتراضات داخلية وتساؤلات حول المعايير المعتمدة في التعامل مع مثل هذه الحالات.
ولا تقف الاتهامات المتداولة بين الطلاب عند الجانب الأكاديمي، إذ يربط بعضهم بين الطالب المذكور وبيئات سياسية وأمنية لبنانية وسورية سابقة، ويتحدثون عن ممارسات ضغط حصلت في مرحلة ما قبل سقوط النظام السوري السابق، من بينها اتهامات بإجبار طلاب على المشاركة في انتخابات عام 2021، ووجود تأثيرات حزبية داخل بعض الأقسام الجامعية، إضافة إلى شبهات حول قبول طلاب لبنانيين في مرحلة الماجستير خارج الأطر الطبيعية.
هذه الاتهامات، على حساسيتها، تفرض مقاربة دقيقة تقوم على التحقق لا على الأحكام المسبقة. فالمطلوب، وفق أوساط طلابية، ليس التشهير أو تحويل الملف إلى تصفية حسابات، بل فتح تحقيق رسمي وشفاف داخل الجامعة والجهات المعنية، للتثبت من ملفات القبول والمسارات الأكاديمية، وحماية حق الطلاب من جهة، وصون سمعة المؤسسات الجامعية من جهة أخرى.
مصدر تربوي لبناني أوضح لـ”ليبانون ديبايت” أن المسألة لا تُحسم تلقائياً، بل تُعرض عادة على لجان مختصة تدرس الملفات وفق الاختصاص والمقررات والسنوات الجامعية المنجزة، لتقرر ما إذا كان يحق للطالب متابعة دراسته أو معادلة جزء من مساره الأكاديمي.
ولفت المصدر إلى أن هذا النوع من الملفات كان يستفيد سابقاً من قنوات مؤسساتية بين لبنان وسوريا، من بينها المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، الذي كان يسهّل في حالات كثيرة متابعة الملفات ونقلها بين الإدارات، قبل أن يتبدل هذا الواقع مع المرحلة الجديدة، ما جعل جزءاً من المسار يمر عبر الوزارات أو السفارات والجهات المختصة.
غير أن الأزمة لا تقف عند الطلاب اللبنانيين العائدين من سوريا فقط. ففي المقابل، برزت حالة موازية تتصل بطلاب سوريين كانوا يتابعون دراستهم في لبنان، ومنهم من كان محسوباً على بيئة الثورة السورية، ويرغب اليوم بالعودة إلى سوريا بعد سقوط النظام السابق، لاستكمال دراسته أو معادلة شهادته في بلد يشهد تحولات جديدة.
من هنا، تبدو الأزمة مزدوجة الاتجاه. طلاب لبنانيون يبحثون عن إنصاف في لبنان بعد دراسة في سوريا، وطلاب سوريون يبحثون عن مسار واضح داخل سوريا بعد دراسة في لبنان. وبين الحالتين، تظهر الحاجة إلى إطار رسمي جديد ينظّم العلاقة الأكاديمية بين البلدين، بعيداً عن الفوضى الإدارية، والقرارات المتقطعة، والانتظار المفتوح.
فالتعليم، في لحظات التحول الكبرى، يصبح أكثر من شهادة. يصبح اختباراً لقدرة الدولة على حماية العدالة، وصون الكفاءة، ومنح الشباب فرصة حقيقية للاستمرار. وأزمة الطلاب اللبنانيين في سوريا، ومعها أزمة الطلاب السوريين في لبنان، تضع البلدين أمام امتحان واحد: هل يكون القانون جسراً لإنقاذ المستقبل، أم يتحول إلى جدار جديد يدفع الطلاب إلى اليأس؟
