مشهد اصطفاف الصور العملاقة على طريق المطار للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي والمرشد الحالي مجتبى خامنئي، مرفقة بعبارة “شكراً إيران الوفية”، يعيد الى إلى الأذهان عشرات صور الشكر التي رُفعت في اعقاب الحروب السابقة على لبنان، حيث تحولت مداخل العاصمة الى ميدان لرسائل “رد الجميل” عبر لافتات حملت عبارة “شكرا قطر” بعد مساهمة الدوحة في إعادة إعمار عدد من القرى الجنوبية التي دمرتها حرب تموز 2006. يعكس هذا المشهد تبدل الجهات الراعية لمرحلة ما بعد الحرب، مع ما يحمله من رسائل سياسية “مشفرة” تعكس حجم النفوذ السياسي والحضور الاقتصادي للداعمين وموقعهم في المعادلات الداخلية.

في المقلب الاخر، تظهر الصورة الحقيقية للحرب التي امتدت لسنوات بحيث لا يبدو هول الكارثة او ما بات يعرف بـ “النكبة الجنوبية” مع الدمار المهول وتجريف قرى بأكملها ومحوها، تفصيلا عاديا في خضم الصراع الذي اغرق المنطقة من “اسناد غزة” حتى “اسناد طهران” ونال جنوب لبنان منه حصة الاسد، لينتهي برسم “الخط الاصفر” لنحو 30 قرية يمتنع الجيش الاسرائيلي عن الخروج منها مع مواقع اخرى، الا بضمانات تفريغها من “التهديد الامني” معلنا استمرار عملياته داخل منطقة تضم ما وصفه بـ”بنية تحتية استراتيجية تحت الأرض”، تزعم تل ابيب ان حزب الله حفر فيها انفاقا مدججة بترسانة عسكرية بالاضافة الى مصانع خاصة بالمسيّرات ومواقع لاطلاق مئات الصواريخ.

وفي ظل انشغال العالم بالاسراع في لملمة تداعيات الحرب وسعي الدول الى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والأمنية، يجد لبنان نفسه بمواجهة تحديات داخلية وخارجية تتطلب الانتقال السريع وضبط المراحل ومنع انفلات الامور نحو الفوضى.

في الموازاة، تكشفت بصورة أكثر وضوحاً الكلفة الهائلة للحرب على الجنوب اللبناني. فقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بالتنسيق مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، نتائج التقييم السريع للأضرار في المباني الواقعة جنوب نهر الليطاني، والذي شمل أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا، وأظهرت نتائج الدراسة أن إجمالي الأضرار المباشرة في المباني بلغ نحو 1.38 مليار دولار. التقييم الذي استند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي (GeoAI)، لا يشمل الأضرار التي أصابت البنية التحتية الحيوية من طرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه واتصالات، كما لا تتناول المنشآت تحت الأرض، ما يعني أن الكلفة الفعلية للحرب تتجاوز بكثير الأرقام المعلنة.

وفي الاطار، سلّم عدد من النواب رئيس الحكومة نواف سلام عريضة تطالب “الدولة اللبنانية باتخاذ خطوات قانونية ودبلوماسية للمطالبة بتعويضات من إيران عن الأضرار والخسائر التي خلّفتها الحرب الأخيرة في لبنان”.

وفي قراءة للمشهد المقبل، يرى مراقبون ان ملف اعادة الاعمار يشكل التحدي الاكبر ليس فقط بسبب حجم الأموال المطلوبة، بل أيضاً نتيجة التعقيدات السياسية والأمنية والاقتصادية، واشتراط العديد من الجهات الدولية وجود بيئة مستقرة وإصلاحات واضحة قبل ضخ أي مساعدات مالية، ما يضع الجنوب اللبناني امام مرحلة طويلة من الانتظار.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version