كانت منى خليل تشبه السلاحف التي أحبّتها. لا لأن كليهما عاش قرب البحر. ولا لأن كليهما اعتاد الرمل والموج. بل لأن الزمن كان يمر عليهما بالطريقة نفسها. بطيئاً. هادئاً. كأن العالم ليس سباقاً بل رحلة طويلة نحو ضوء بعيد.
السلحفاة لا تعرف العجلة. تخرج من البحر في الليل. تحفر الرمل بصبر ناسك. تودع فيه حياة مؤجلة. ثم تعود إلى الماء من دون ضجيج، تاركة خلفها أثراً سرعان ما يمحوه الموج. ومنى كانت تفعل الشيء نفسه. تمشي على شاطئ المنصوري كما لو أنها تكمل سيرة قديمة بدأت قبلها بقرون. تنحني على الأعشاش. تراقب البيوض. تعدّ الصغار الخارجين من الرمل نحو البحر. وتبدو، في تلك اللحظات، أقل شبهاً بالبشر وأكثر شبهاً بالمكان نفسه.
ولهذا لم يكن البحر بالنسبة إليها منظراً جميلاً. كان كائناً حياً. وكانت السلاحف جزءاً من عائلته الكبيرة. تعرف مواسمها. تعرف صمتها. تعرف خوفها القديم من العالم. وربما لهذا السبب أحبتها إلى هذا الحد. فالسلاحف، مثل الطيبين، تمضي في الأرض من دون أن تؤذي أحداً. تحمل بيتها على ظهرها وتمشي. لا تطلب شيئاً. لا تنازع أحداً على شاطئ أو موجة أو حبة رمل.
لكن الحروب لا تفهم لغة الكائنات الوديعة. الحروب السريعة تكره كل ما هو بطيء. والدبابات لا تحب الكائنات التي تعلّم الصبر. والصواريخ لا ترى الفرق بين عش سلحفاة وبيت إنسان. ولهذا بدا ما جرى في المنصوري كأنه مواجهة بين زمنين مختلفين. زمن تمثله سلحفاة تشق طريقها نحو الحياة. وزمن تمثله آلة ضخمة لا تعرف سوى طريق الموت.
هناك، عند حافة البحر، التقت الفلسفتان. فلسفة الموج الذي يبني الشاطئ حبة رمل فوق حبة رمل. وفلسفة النار التي تهدم كل شيء في لحظة واحدة. وهناك أيضاً سقطت منى خليل. المرأة التي أمضت عمرها تحرس البيوض الصغيرة من الغربان والكلاب والعواصف، ولم يخطر ببالها أن الخطر سيأتي هذه المرة من السماء.
وحين رحلت، لم يفقد لبنان ناشطة بيئية فقط. فقد البحر واحدة من ذاكراته. فبعض البشر يتحولون مع الوقت إلى جزء من الأمكنة. نصبح عاجزين عن تخيل المكان من دونهم. كأن المنصوري كان يستعير وجهها ليعرّف عن نفسه. وكأن البيت البرتقالي لم يكن سوى نافذة يطل منها البحر على اليابسة.
منذ رحيلها، يبدو الشاطئ أكثر وحدة. الرمال نفسها تبدو كأنها تنتظر أحداً. والبحر الذي اعتاد رؤيتها كل صباح صار يرسل أمواجه إلى اليابسة ثم يعيدها خائبة. أما السلاحف، فأحب أن أتخيلها خارجة من الماء في ليالي الصيف، متجهة نحو أعشاشها القديمة، ثم متوقفة لحظة أمام الفراغ الذي تركته منى.
ماذا تقول السلاحف عن منى؟
ربما لا تقول شيئاً. الكائنات الحكيمة لا تجيد الخطب. لكنها تعرف الامتنان. تعرف أن امرأة وقفت سنوات طويلة بين الحياة والموت لتحرس أبناءها. تعرف أن يداً بشرية كانت، للمرة الأولى، أقرب إليها من كثير من أبناء جنسها. وربما حين تلامس زعانفها الرمل، وحين تدفن بيوضها في الأرض، وحين تعود إلى البحر تحت ضوء القمر، تكون قد كتبت بطريقتها الخاصة صلاة صغيرة لروح المرأة التي فهمت لغتها.
أما إسرائيل، فقد ربحت كالعادة لحظة قتل جديدة. لكنها خسرت شيئاً أكبر. خسرت فرصة أن تفهم أن البحر لا يُهزم بالقنابل. وأن السلاحف أقدم من الجيوش كلها. وأن الموج الذي حمل سفن الفينيقيين ما زال قادراً على حمل ذاكرة امرأة اسمها منى خليل.
ستمضي الأعوام. ستتبدل الحكومات. ستتغير الخرائط.
وستبقى السلاحف تعود إلى المنصوري. تحفر الرمل نفسه. وتسلك الطريق نفسها. وكأنها تكرر درساً واحداً للبشر جميعاً: العنف سريع. أما الحياة، فبطيئة. ولهذا تنتصر دائماً.
