بين التاسع عشر من الشهر الجاري (اليوم)، على رغم عدم معرفة لماذا ألغى نائب الرئيس الأميركي سفره إلى جنيف، والثاني والعشرين منه ثلاثة أيام تفصل لبنان عن الخط النهائي لوضع حدّ لأزماته المتراكمة، التي لا بد من أن تبدأ حلحلتها من حيث نهاياتها، وذلك قبل الحديث عن أي شيء آخر. وهذه النهايات، كما هو معروف، كان لبنان الرسمي الممثل برئاستي الجمهورية والحكومة، قد بدأها جدّيًا عندما قرّر اعتماد سياسة عدم الهروب إلى الأمام ، وذلك عبر خوضه غمار مفاوضات شاقة مع إسرائيل برعاية أميركية تحت شعار ضمان وقف إطلاق النار وانسحاب كلي للجيش الإسرائيلي من كل شبر احتله في الجنوب وإعادة الأسرى والمفقودين والمباشرة بإعادة الاعمار وتأمين عودة آمنة وسالمة للأهالي إلى بلداتهم وقراهم بكرامة وعزّة نفس، وهم الذين ذاقوا الأمّرين في مراكز الإيواء.

وقبل هذا القرار، الذي يصفه كثيرون من المسؤولين الدوليين بأنه شجاع وحكيم، كان لبنان قد اتخذ قرارين داخليين، الأول يتعلق بحصرية السلاح في يد القوى الشرعية دون غيرها، والثاني حظر أي عمل عسكري لـ “حزب الله” واعتباره خارجًا عن القانون، إضافة إلى اعتبار بيروت الإدارية منطقة خالية من السلاح غير الشرعي. وبهذه القرارات، الخارجي منها والداخلي، يكون أهل السلطة في لبنان قد وضعوا اصبعهم على الجرح اللبناني النازف. فلا حلّ لتحرير الأرض إلا بمفاوضات مع إسرائيل، وهي العدوة الأولى والأخيرة للبنان، وبالتالي لا تحريرًا للقرار اللبناني ما دام “حزب الله” مصرًّا على مصادرة قرار الحرب، وهو الذي لا يزال على موقفه برفض مبدئية التفاوض المباشر.

لكن، وعلى رغم أهمية هذه القرارات، فإن نجاحها يبقى مرتبطًا بعوامل تتجاوز الإرادة اللبنانية وحدها. فالمفاوضات مع إسرائيل، وإن كانت تندرج في إطار تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال تنفيذ القرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701، فإنها تجري في مناخ إقليمي شديد التعقيد، حيث تتقاطع الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية على الساحة اللبنانية. وبالتالي، فإن أي تقدم في هذا المسار يحتاج إلى توافر إرادة متبادلة بعدم تحويل لبنان مرة جديدة إلى ساحة لتبادل الرسائل أو تصفية الحسابات.
ANALYSIS: Could Lebanon’s bid for direct Israel talks reshape a decades-long conflict? | Arab News PK

وفي هذا السياق، يراهن لبنان الرسمي على أن يشكل الالتزام بحصرية السلاح بيد الدولة نقطة تحول في نظر المجتمع الدولي، الذي لطالما ربط تقديم المساعدات المالية والاستثمارية بقيام دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها. فالدول المانحة، من

الولايات المتحدة إلى أوروبا مرورًا بالدول العربية، لا تخفي أن إعادة الإعمار، التي تتطلب مليارات الدولارات، لن تكون ممكنة ما لم تترافق مع إصلاحات سياسية وأمنية واضحة تضمن عدم تكرار ما حصل في السنوات الماضية.

غير أن هذه الرهانات تصطدم بواقع داخلي معقد. فـ “حزب الله”، الذي يرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل ويتمسك بخيار “المقاومة”، يعتبر أن الضغوط الهادفة إلى نزع سلاحه أو تحجيم دوره تأتي في سياق مشروع سياسي يرمي إلى تغيير موازين القوى الداخلية والإقليمية. ومن هنا، فإن الحزب لا ينظر إلى مسألة السلاح باعتبارها قضية داخلية فحسب، بل يربطها بالصراع الأوسع في المنطقة وبمستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

أما خصوم الحزب، فيرون أن اللحظة الحالية قد تكون الأكثر ملاءمة منذ سنوات لإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، مستفيدين من المتغيرات الإقليمية والضغوط الدولية. وهم يعتبرون أن أي تراجع عن القرارات التي اتخذتها السلطة سيعيد لبنان إلى الحلقة المفرغة نفسها، أي دولة ضعيفة، واقتصاد منهك، ومجتمع يعيش على إيقاع الحروب والأزمات.

ومن هنا، تكتسب الأيام الفاصلة بين التاسع عشر (اليوم)، إذا لم يطرأ ما في غير الحسبان، والثاني والعشرين من الشهر الجاري أهمية استثنائية، ليس لأنها ستنهي دفعة واحدة كل أزمات لبنان، بل لأنها قد ترسم الاتجاه الذي سيسلكه البلد في السنوات المقبلة. فإما أن ينجح لبنان في تثبيت خيار الدولة الواحدة صاحبة القرار الأمني والعسكري والسياسي، ويستفيد من الدعم الدولي لإعادة بناء ما تهدم، وإما أن تتعثر المساعي الحالية تحت وطأة الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية، فيعود اللبنانيون إلى انتظار تسوية جديدة، أو حرب جديدة، في منطقة لم تعرف بعد الاستقرار الدائم.

وتبدو المعركة الحقيقية اليوم معركة استعادة الدولة لقرارها السيادي، لأن تحرير الأرض، على أهميته، يبقى ناقصًا إذا لم يترافق مع تحرير القرار الوطني من ازدواجية السلطة والسلاح. فالدول لا تُبنى بالرهانات المتناقضة، بل بإرادة جامعة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتجعل من الدولة المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين.
Israel’s War Against Lebanon, Explained

فما يواجهه لبنان لا يبدو مجرد استحقاق سياسي عابر، بل لحظة اختبار لجوهر الدولة نفسها، أي قدرتها على أن تكون مرجعًا وحيدًا للقرار، أو بقاؤها أسيرة توازنات متناقضة تُدار من خارجها وداخلها في آن واحد. فكل ما يُطرح اليوم من مفاوضات وضمانات وشروط، لن يكتسب قيمته الحقيقية ما لم يُترجم إلى مسار واضح يعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها الحاضن الوحيد للأمن والسياسة والمستقبل.

لكن التاريخ اللبناني، بكل ما فيه من تعقيدات، يعلّم أن اللحظات المفصلية لا تُقاس فقط بما يُعلن فيها من قرارات، بل بما يُبنى بعدها من إرادات. فإما أن تتحول هذه المرحلة إلى بداية خروج تدريجي من دوامة الحروب بالوكالة والصراعات المفتوحة، وإما أن تُضاف إلى سلسلة الفرص التي ضاعت تحت ضغط الحسابات المتناقضة.

يبقى السؤال معلّقًا، لكنه هذه المرة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فهل يملك لبنان ترف إضاعة فرصة أخرى، أم أن ساعة الحقيقة قد دقّت فعلاً، بحيث لا يعود ممكناً تأجيل ما كان مؤجلاً لعقود؟

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version