يطرح التفاهم الأميركي ـ الإيراني المبهم، أسئلة جوهرية حول الإنسحاب الإسرائيلي ووقف النار، والتي قد يكون من الصعب تقديم الأجوبة عنها قبل كشف النقاب عن مضمون ما تفاهم عليه الرئيس دونالد ترامب مع إيران. فالإلتباسات كبيرة بشأن آليات التنفيذ، كما يكشف أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس الدكتور خطار بودياب، الذي يتحدث عن تفسيرات متباينة في مذكرة التفاهم الأخيرة، التي وصفها بعض المتابعين بـ”مذكرة سوء التفاهم”، موضحاً أنه في التفسير الإيراني، وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات يشمل لبنان، مع ما يستتبع ذلك من انسحاب إسرائيلي، بينما تتمسّك إسرائيل بتفسير مختلف، وبأنها غير معنية بهذا الربط المباشر بين وقف النار والإنسحاب.
ورغم المؤشرات التي تدل على أن إسرائيل خفّضت مستوى التصعيد حتى الآن، فإن المشهد لا يزال ضبابياً وفق ما يؤكد الدكتور بودياب ل”ليبانون ديبايت”، حيث يُرجّح أن تشهد المرحلة التي تلي التوقيع الرسمي على الإتفاق، عملية إعادة تموضع للقوات الإسرائيلية، إلاّ أن طبيعة هذه الخطوة وحدودها ستبقيان رهن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن في 23 من الشهر الجاري.
وعن التموضع المحتمل، وما إذا كان وفق الطرح الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية بشأن إنشاء مناطق تجريبية في محيط قلعة الشقيف ومناطق أخرى، أم وفق الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أم أن إسرائيل ستكتفي بالإنسحاب إلى الخط الأصفر أو إلى النقاط الخمس المحتلة قبل الحرب، فيعتبر بودياب أن الإجابة الحاسمة عن هذه التساؤلات غير ممكنة في الوقت الراهن، لأن مسار الأحداث لا يزال مرتبطاً بالتطورات الميدانية والسياسية وبهوامش المناورة المتاحة لكل طرف، وإن كانت الدولة اللبنانية تبقى الإطار الوحيد القادر على إنتاج حل مستدام.
وفي قياس موقف إيران، يلفت بودياب إلى أن طهران لم تُظهر اندفاعاً كبيراً للدفاع عن حلفائها في محطات سابقة، سواء تعلق الأمر بالرئيس السوري السابق بشار الأسد أو بحركة “حماس” أو حتى ب”حزب الله” بعد الضربات التي تعرض لها، من تفجيرات أجهزة البيجر إلى اغتيال الأمينين العامين السابقين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، لكنه يرى أن الوضع الحالي يختلف، لأن الحزب خاض هذه المرة مواجهة اعتبرتها إيران مرتبطة مباشرة بمصالحها.
ولكنه يستدرك بأن قيمة الحزب بالنسبة إلى إيران تتجاوز بكثير قيمة حلفاء آخرين في المنطقة، فهو الركيزة الأساسية لمحورها في المنطقة، لذلك تسعى إلى الحفاظ على مستوى مرتفع من الإرتباط السياسي والعقائدي مع جمهور الحزب، وتشجعه على الولاء المزدوج بحيث يصبح الولاء لدى الغالبية لولاية الفقيه وليس للدولة اللبنانية.
وبحسب بودياب، فإن هذه المعادلة تضع الدولة اللبنانية أمام تحديات متزايدة، لا سيّما في ما يتعلق بملف حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية وسائر الملفات المرتبطة بإعادة بناء الدولة، إذ إن موازين القوى الحالية تجعل أي تقدم في هذا الإتجاه أكثر تعقيداً وصعوبة.
وفي ظل هذه المعطيات، يؤكد بو دياب أن الثقة لا تزال محدودة حيال احتمال تنفيذ إسرائيل انسحاباً كاملاً، كما أن الرهان على الحماسة الإيرانية لفصل لبنان عن مسار التسويات الإقليمية لا يبدو مضموناً، فيما الأخطر، فيكمن في سلوك الدولة العظمى، التي تبدو مستعدة لتلزيم لبنان ولا تقدم الدعم الكافي للدولة أو تمنحها الثقة اللازمة للإضطلاع بدورها الكامل.
ويتوقع بودياب أسابيع حاسمة، فلبنان يدخل مرحلة إحياء ذكرى عاشوراء، فيما تستعد إيران أيضاً لمراسم تشييع المرشد الأعلى علي خامنئي، وبعدها، وفي حال استمرت بعدها الخروقات الإسرائيلية ولم تُسجل خطوات عملية على مستوى إعادة التموضع أو بدء الإنسحابات، فقد يؤدي ذلك إلى عودة التوتر الإقليمي، وربما إلى تنفيذ إيران ضربات ضد إسرائيل على غرار ما حصل في السابق، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الإنزلاق إلى حرب.
لكن بودياب يكشف بأنه إذا حصلت طهران على مكاسب سياسية واستراتيجية وازنة، فقد تفضّل التريث وإعادة حساباتها، كما فعلت أخيراً عندما امتنعت عن الرد قبل إبرام التفاهم.
أما في الجانب الإسرائيلي، فيعتبر بودياب أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد يجد في التصعيد وسيلة لتعزيز موقعه السياسي مع اقتراب الإنتخابات الإسرائيلية، إلاّ أن فاعلية الضغوط الأميركية قد تحدّ من قدرته على المضي في هذا الخيار.
وعليه، يشير بودياب إلى أن إيران تمتلك اليوم ورقتي ضغط، الأولى تتمثل في مضيق هرمز، الذي تعتقد طهران أنها قادرة على تهديد حركة الملاحة فيه رغم التصريحات الأميركية المطمئنة، والثانية هي الساحة اللبنانية نفسها، والتي هي أيضاً بيد إسرائيل.
ومن هنا، يرى بودياب أن إحدى المآسي المزمنة للبنان تكمن في بقائه مساحة اختبار للصراعات الإقليمية وهو واقع لا يخدم المصلحة اللبنانية التي تكمن في تحييد نفسه عن هذه المواجهات، علماً أن تحقيق هذا الهدف بالغ الصعوبة في الظروف الراهنة، نظراً إلى الإنقسامات الداخلية العميقة وإلى تشابك المصالح الإقليمية والمحلية.
ويؤكد بودياب أن الدولة نفسها تعكس هذا الإنقسام، إذ إن الثنائي الشيعي حاضر داخل مؤسساتها وله عيونه وملائكته حتى ضمن الوفد المفاوض في واشنطن، ما يجعل أي محاولة لفصل الداخل اللبناني عن التوازنات الإقليمية مهمة شديدة التعقيد في المرحلة المقبلة.
