على رغم التكرار الواضح من جانب الرئيس السوري أحمد الشرع بأن سوريا لا تنوي التدخل في الشأن اللبناني، فإن الإشارات الصادرة عن واشنطن توحي بمسار مختلف أو على الأقل بقراءة مختلفة للدور السوري المحتمل في المرحلة المقبلة. فتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما إشارته إلى أنه أبلغ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بأنه “أوكل إلى سوريا إنهاء وضعية حزب الله”، تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة هذا “التكليف” المثير للجدل والمستفز في آن، وحدوده وإمكان ترجمته على الأرض.

في الظاهر، يمكن قراءة هذا الكلام في إطار محاولة أميركية لإعادة توزيع الأدوار في المنطقة، بعد سنوات من التشابك العسكري والسياسي على الساحتين السورية واللبنانية. فواشنطن، في أي مقاربة تسووية محتملة، تسعى عادة إلى إشراك أطراف إقليمية في إدارة الملفات المعقدة، بما يسمح بتخفيف الكلفة المباشرة عنها، ونقل جزء من عبء التنفيذ إلى لاعبين محليين أو إقليميين أكثر التصاقاً بالجغرافيا السياسية.

غير أن الإشكالية تكمن في أن الدور السوري في لبنان تاريخياً ليس تفصيلاً تقنياً يمكن إعادة تفعيله بقرار خارجي، بل هو ملف شديد الحساسية يرتبط بذاكرة طويلة من التدخلات والانسحابات، وبتركيبة داخلية لبنانية لا تزال تتحسس من أي عودة لصيغة “الوصاية أو النفوذ المباشر”. لذلك، فإن أي إشارة إلى دور سوري في ملف معقّد مثل “حزب الله” من شأنها أن تثير تلقائياً نقاشاً حول حدود السيادة اللبنانية وموازين القوى الداخلية.

في المقابل، تبدو دمشق اليوم، وفق التصريحات الرسمية المتكررة، حريصة على تثبيت صورة مغايرة. فسوريا الخارجة من سنوات الحرب، غير راغبة في الانخراط في ساحات جديدة، ووهي تسعى، وفق ما يلمسه جميع زوار دمشق، ومن بينهم مؤخرًا الرئيس نجيب ميقاتي، إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والاقتصادية. لكن هذا الموقف المعلن يصطدم، أو على الأقل يتقاطع بشكل معقد، مع تصورات دولية ترى أن موقع سوريا الجغرافي وطبيعة علاقاتها الإقليمية يجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في أي هندسة أمنية جديدة في المشرق.

أما في البعد الإسرائيلي، فإن أي طرح يتحدث عن “دور سوري” في ملف يمتد من الجنوب اللبناني إلى الحدود الشمالية لإسرائيل، يعكس رغبة في إعادة تشكيل منظومة الردع الإقليمي، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة بين إسرائيل وخصومها المباشرين، بل تتحول إلى شبكة أدوار إقليمية متداخلة.

لكن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام خطة سياسية فعلية لإشراك سوريا في معالجة ملف “حزب الله”، أم مجرد رسائل سياسية في إطار الضغط المتبادل بين واشنطن وطهران وتل أبيب، يتم فيها استخدام أسماء الدول كأدوات تفاوض أكثر من كونها التزامات عملية؟

في كل الأحوال، ما هو واضح حتى الآن أن لبنان يجد نفسه مجدداً في قلب معادلة إقليمية لا يُصاغ فيها القرار داخلياً فقط، بل يُعاد رسمه عبر توازنات تتجاوز حدوده، وتضعه على تماس مباشر مع كل تغيير في العلاقة بين دمشق وواشنطن وتل أبي، من دون إغفال ما سيكون عليه موقف إيران.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version