كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
تجاوز مقترح قانون “المعجّل المكرّر” الرامي إلى إلغاء الامتحانات الرسمية في لبنان حدودَ المطلب التربوي أو الإنساني المرتبط بالظروف الاستثنائية، ليتحول خلف الكواليس إلى “كباش صلاحيات” صامت بين ساحة النجمة والسراي الحكومي. وأمام هذا المشهد، تداعت الأوساط الدستورية لتشريح الأبعاد القانونية لهذه المعركة الصامتة: هل يملك البرلمان حقاً إسقاط آلية تنظيمية تقع في صلب صلاحيات السلطة التنفيذية؟
اقرأ أيضاً توجه لإلغاء الامتحانات الرسمية… إليكم آخر التفاصيل والمعلومات
الصلاحية المطلقة للمشرّع
وفقاً لمصادر دستورية وثيقة الصلة بالملف، فإن المنطلق الذي استند إليه النواب في تقديم الاقتراح يعود إلى “الفلسفة الدستورية الكلاسيكية” في لبنان، والمستوحاة مباشرة من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة.
توضح هذه المصادر لـ Jnews Lebanon أن الدستور اللبناني – في أصله ونصه – لا يقرّ بوجود “مادة تنظيمية مستقلة” ومحصنة بالكامل ضد التدخل التشريعي (خلافاً لدستور الجمهورية الفرنسية الخامسة الذي رسم حدوداً حاسمة بين ما هو تشريعي للبرلمان وما هو تنظيمي للحكومة).
بناءً على هذا المعيار الشكلي، يحق لمجلس النواب اللبناني التدخل في أي قطاع وتحويل أي قضية إدارية إلى “مادة تشريعية” ملزمة بمجرد إقرارها، طالما أن هذا التدخل لا يصطدم بنص دستوري محكم أو يمس بالحقوق والحريات الأساسية. وبما أن “مرسوم تنظيم الامتحانات” ليس من المواضيع المحجوزة حصراً بنصوص دستورية جامدة، فإن المقاربة النظرية تعطي البرلمان الضوء الأخضر للتحرك وإلغاء الامتحانات بقانون.
اقرأ أيضاً بو صعب يكشف كواليس لجنة التربية… ما مصير الامتحانات الرسمية؟
“الخط الأحمر” وفخ تقويض السلطة التنفيذية
على مقلب آخر، تكشف القراءة المتعمقة للنصوص وجود “كابح دستوري” غير معلن. فالصلاحية المطلقة للبرلمان تصبح مهددة بالبطلان إذا ما أدت إلى “شَلّ القدرة الإجرائية” للسلطة التنفيذية.
وتُشير القراءات الفقهية التي حصلت عليها منصتنا إلى أن البرلمان، وإن كان يملك مرونة التحرك، إلا أنه لا يستطيع تجريد مجلس الوزراء من أساس وجوده كـ “سلطة إجرائية” تُدير المرافئ العامة (وفق المادة 65 من الدستور اللبناني التي تنص على “وضع المراسيم التنظيمية”). تحويل كل تدبير إداري إلى قانون يعني عملياً إفراغ العمل الحكومي من مضمونه، وهو ما يُعد مخالفة لروح الدستور القائم على توازن السلطات وفصلها تعاضداً.
-
المفاجأة القانونية: سابقة القرار 4/2020 يُكبّل النواب
المعلومة الأبرز والأكثر خطورة في هذا الملف، والتي تشكل العقبة الحقيقية أمام نفاذ هذا القانون، تكمن في “التحول الاجتهادي” الذي أحدثه المجلس الدستوري اللبناني.
تؤكد مصادرنا أن النقاش لم يعد فقهياً بحتاً؛ بل حُسم بـ “مادّة قضائية ملزمة” أرساها المجلس الدستوري في قراره الشهير رقم 4/2020. في هذا القرار، خطا المجلس خطوةً مغايرة للمألوف الدستوري اللبناني، حيث اعترف – ولأول مرة بشكل واضح – بوجود “مادة تنظيمية مستقلة” تقع حصراً وضمنياً في ملاك وصلاحيات مجلس الوزراء.
اقرأ أيضا خاص- اختراق اقتصادي تاريخي: هل ينقذ القرار السعودي أسواق لبنان؟
ماذا يعني ذلك لملف الامتحانات؟
بناءً على هذا الاجتهاد الساري، فإن مسألة إلغاء الامتحانات الرسمية أو تعديلها تُصنف كـ “إجراء تنظيمي وإداري” يقع في قلب الصلاحية الحصرية للحكومة (وزارة التربية ومجلس الوزراء). وبالتالي، فإن أي محاولة من مجلس النواب لفرض الإلغاء عبر قانون ستُعتبر – وفقاً لمنطق قرار 2020 – تعدياً على صلاحيات السلطة الإجرائية، مما يجعل القانون ساقطاً حكماً أمام أي طعن مستقبلي.
يجد المشرّعون أنفسهم اليوم أمام طريق مسدود؛ فالدافع السياسي والإنساني يضغط باتجاه إلغاء الامتحانات بقانون معجّل، لكن الجدار القضائي الذي بناه المجلس الدستوري في عام 2020 يقف بالمرصاد. أي خطوة تشريعية أحادية الجانب في هذا الصدد، لن تكون سوى “مغامرة قانونية” محفوفة بمخاطر الإبطال، مما يعيد الملف برُمّته إلى نقطة الصفر: إلغاء الامتحانات يحتاج “قراراً حكومياً” من السراي، لا “تشريعاً” من ساحة النجمة.

