كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
اكتسب البيان المشترك الصادر عقب الجولة الرابعة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية، التي رعتها واشنطن، أبعاداً إستراتيجية تتجاوز مجرد صياغة هدنة ميدانية؛ إذ وضع البلاد أمام منعطف تاريخي يخيّرها بين استعادة مفهوم “الدولة الحاضنة” أو السقوط الكامل في فخ “الساحة المستباحة”.
الخطورة الأبرز في هذا الاتفاق لا تكمن فقط في بنوده العسكرية، بل في أبعاده السياسية والدبلوماسية التي شرّعت الأبواب أمام مواجهة علنية ومباشرة بين الشرعية اللبنانية والمحور الإقليمي الممانع.
اقرأ أيضاً خاص- اختراق اقتصادي تاريخي: هل ينقذ القرار السعودي أسواق لبنان؟
جوهر الاتفاق: حصرية السلاح وإدانة واضحة للتمدد الإقليمي
لأول مرة في تاريخ المفاوضات، تضمن “الاتفاق الإطاري” نقاطاً سيادية غير قابلة للتأويل، حيث تقاطعت بنوده مباشرة مع قرارات مجلس الوزراء اللبناني التاريخية. ويأتي في طليعة هذه المقررات:
- التفاوض المباشر: تأكيد أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار والعمليات العدائية يجب أن يتم مباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية برعاية أميركية، ما يعني إسقاط أي “التباس” حول من يملك شرعية القرار.
- نزع السلاح الشامل: نص الاتفاق صراحة على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية (الجيش والقوى الأمنية)، واعتبار أي نشاط مسلّح خارج هذا الإطار خروجاً فاضحاً على القانون.
- فك الارتباط الإقليمي: تضمن البيان إدانة مباشرة لما وصفه بـ”العدوانية الإيرانية” في المنطقة والاعتداءات التي تطال دول الخليج العربي، وهو ما يمثل خطوة لبنانية جريئة لإعادة التموضع داخل الحاضنة العربية والدولية.
إجراءات ميدانية حاسمة: يلحظ الاتفاق وقفاً شاملاً للنار مقابل التزامات صارمة، أبرزها الانسحاب إلى شمال خط الليطاني، واعتماد “مناطق تجريبية” لبسط سلطة الدولة حصراً، وصولاً إلى توقيع اتفاق “عدم اعتداء” بين الجانبين. -
اقرأ أيضاً خاص – جمهورية تفاوض ولا تُخطَف.. الرسائل المشفرة لإطلالة الرئاسة الأولىچ
كواليس الرفض الصادم: طهران تسبق بيروت في إسقاط مسار وقف النار
لم يدم الانتظار طويلاً لمعرفة رد الفعل؛ إذ سارعت العاصمة الإيرانية إلى إعلان رفضها القاطع لاتفاق الإطار، كونه ينهي وظيفياً وعسكرياً دور أذرعها في المنطقة. وجاءت الاستجابة المحلية سريعة عبر قنوات الحزب الميدانية والسياسية في محاولة مبكرة ومدروسة لإجهاض هذا المسار الدبلوماسي.
- هذا الرفض الفوري يعكس عمق المأزق الإقليمي. فطالما أن “عين التينة” كانت تروّج دائمًا لمعادلة “أعطونا وقفاً شاملاً لإطلاق النار ونحن كفيلون بالزام الجانب المسلح به”، فإن الانقلاب المفاجئ للثنائي على هذا الطرح يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن قرار السلم والحرب ليس في بيروت، وأن الجهة المسلحة مستعدة للتضحية ببيئتها وأهلها في سبيل الحفاظ على أوراق القوة الإقليمية لصالح طهران في مفاوضاتها مع واشنطن.
اقرأ أيضاً خاص – جمهورية تفاوض ولا تُخطَف.. الرسائل المشفرة لإطلالة الرئاسة الأولى
لغة التخوين والتهديد بالقتل: القضاء المعطّل والسلطة العاجزة
في خلفية المشهد، تكشف مصادر سياسية مطلعة لـ Jnews Lebanon عن خطورة الحملة الإعلامية والسياسية الشرسة التي تشنها “أوركسترا التهويل” التابعة للجهة المعترضة على الاتفاق. ولم تقتصر الحملة على التخوين السياسي، بل وصلت إلى حد كيل اتهامات “الخيانة العظمى” وإصدار تهديدات مبطنة بالقتل طالت أرفع مرجعيتين دستوريتين وعسكريتين في البلاد (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة)، وسط صمت مريب ومستغرب من الأجهزة القضائية والمعنية بالسلامة العامة.
وتشير القراءة التحليلية إلى أن غياب “آليات التطبيق” من قبل الدولة اللبنانية، وعدم إصدار أوامر سياسية حاسمة وصارمة للجيش اللبناني لتنفيذ المقررات التي تحظر الأنشطة العسكرية غير الشرعية، هو الذي سمح لهذه الأطراف بالاستقواء على الدولة والتوعد بالويل والثبور لكل من يحاول إنقاذ البلاد من آلة الدمار الإسرائيلية.
-
هل بات “الفصل السابع” هو الدواء المرّ والوحيد؟
- أمام الإصرار على ربط المسارات وتفخيخ مقترح “المنطقة التجريبية” (وتحديداً حول بقعة قلعة الشقيف لحماية مدينة النبطية من السقوط والاحتلال)، يرى خبراء دبلوماسيون عبر موقعنا أن استمرار الوضع الراهن لا يبشر بالخير مطلقاً، بل يعطي الضوء الأخضر لتوسيع دائرة الحرب التدميرية الإسرائيلية.
-
ولم يعد أمام الحكومة اللبنانية لتفادي الكارثة الوجودية الكبرى سوى خيار واحد طُرح في الصالونات السياسية المغلقة: اللجوء المباشر إلى مجلس الأمن الدولي لطلب المساعدة في بسط سلطة الدولة وفقاً لأحكام “الفصل السابع” من ميثاق الأمم المتحدة.
هذا الإجراء، وإن كان يُعد كأساً مرّة، إلا أنه بات الممر الإلزامي الوحيد لفرض وقف إطلاق النار بقوة الشرعية الدولية، ليس في الجنوب وحسب، بل على كامل الأراضي اللبنانية، لمنع تحويل البلاد إلى ركام تحت شعار “حروب الآخرين”.

