كتب خضر فرحات في موقع Jnews Lebanon
في وقتٍ تتجه فيه الأنظار إلى عاصمة القرار واشنطن ترقباً للآليات التنفيذية لوقف إطلاق النار، تبرز على الطاولة الديبلوماسية والعسكرية معادلة جديدة تشكّل “نقطة انطلاق” حاسمة لتثبيت الاستقرار في جنوب نهر الليطاني. إنها خطة “المناطق التجريبية” (Pilot Zones)، التي ولدت من رحم “إعلان النوايا” بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، لتكون بمثابة الاختبار الميداني الحقيقي والنموذج الأولي لتطبيق الترتيبات الأمنية الجديدة قبل الانتقال إلى اتفاق شامل ومستدام.
هذا المقترح، الذي تُعد فيه الولايات المتحدة الأميركية بمثابة “أم الصبي”، يقوم على فلسفة أمنية دقيقة تشترط أولاً التزام الأطراف المعنية (إسرائيل وحزب الله) بوقف شامل للأعمال العسكرية في بلدات وقرى محددة، تحديداً تلك التي شهدت توغلاً للجيش الإسرائيلي، لتحويلها إلى بقع آمنة ومفتوحة لعودة أبنائها النازحين.
اقرأ أيضاً خاص- هل يورط اتفاق واشنطن الجيش اللبناني.. أم يمهد لإنهاء منظومة حزب الله بالكامل؟
السفير عيسى في بعبدا: غطاء شرعي والبداية من “شقيف”
الزخم الديبلوماسي لهذا المقترح تجلّى بوضوح في المواقف التي أطلقها السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، بعد لقائه أمس رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا. عيسى كان حاسماً في إرساء القواعد العامة: “هذه المناطق ستكون آمنة، ومفتوحة لعودة أبنائها، وستخضع لسيطرة وحماية الجيش اللبناني حصراً”.
مصادر سياسية مطلعة كشفت عبر JNews Lebanon أن التلميح الرسمي لقيام هذه المناطق يعني حتماً أنها تحظى بمواقف وموافقة رسمية لبنانية مباركة. والدليل الأبرز تجسد في كلام الرئيس جوزاف عون نفسه، الذي أعطى إشارة الانطلاق العملية بالإعلان عن أن البداية الميدانية ستكون من “قلعة شقيف” الاستراتيجية، لتشكل اللبنة الأولى في بناء جدار الثقة المفقود.
الشروط الأربعة الصارمة لولادة الـ Pilot Zones
وفقاً للمعطيات الأمنية والعسكرية التي حصلت عليها JNews Lebanon، فإن قيام هذه المناطق التجريبية وتمددها لاحقاً ليشمل بلدات أخرى في الجنوب، محكوم بأربعة شروط قاسية ومتزامنة لا تقبل التجزئة:
1. السيطرة الحصرية للجيش: تتولى القوات المسلحة اللبنانية وحدها السيطرة الكاملة، المطلقة، والحصرية على الأرض داخل هذه القرى والبلدات.
2. خلو المنطقة من السلاح غير الحكومي: يُشترط انسحاب عناصر حزب الله وأي فصائل مسلحة أخرى، وتجريد هذه البلدات كلياً من أي وجود عسكري غير شرعي أو بنى تحتية مسلحة.
3. الانسحاب الإسرائيلي المتزامن: يقابل انتشار الجيش اللبناني انسحاب تام وشامل لجيش الاحتلال الإسرائيلي من كافة النقاط والمحاور التي توغل فيها داخل البقعة المستهدفة.
4. اختبار بناء الثقة: يمثل الهدف السياسي الأسمى لهذه التجربة إعادة بناء الثقة ميدانياً بين الأطراف، واختبار مدى الالتزام بوقف النار لتعبيد الطريق نحو اتفاق أمن وسلام شامل.
اقرأ أيضاً خاص- “إنزال شرعي” في الشمال.. كواليس ليلة تشغيل المطار البديل!
هواجس وضمانات: هل يحتاج الجيش إلى غطاء حكومي؟
رغم الإيجابية الديبلوماسية، إلا أن المصادر السياسية دعت عبر موقعنا إلى قراءة التحديات بواقعية. فرغم أن التفاصيل والترتيبات اللوجستية وتأليف اللواء الخاص بهذه المنطقة هي أمور مناطة كلياً بـ قيادة الجيش اللبناني، إلا أن التساؤل الدستوري المطروح خلف الكواليس هو: هل يحتاج هذا القرار إلى قرار حكومي ومظلة سياسية توفر له التغطية الكاملة؟
وتؤكد المصادر أنه من دون إنجاز الانسحاب الإسرائيلي الموازي لانسحاب حزب الله، سيبدو من الصعب جداً إطلاق هذه المناطق. كما جرى التوافق على عدم إنشاء “مناطق تجريبية متعددة” دفعة واحدة؛ بل سيتم اختيار بقعة واحدة (قلعة شقيف ومحيطها)، وضمان نجاحها بالكامل، ليصار بعدها إلى تعميم النموذج وتمديده في الجنوب.
الأهم في هذه المقاربة، كما تخلص المصادر، هو أن هذه الخطوة لا تعني فرض أمر واقع مشبوه على أبناء الجنوب، بل هي إعادة بسط لسلطة الشرعية والقوانين السيادية، وحماية الجيش اللبناني من أي مخاطر أمنية أو مواجهات غير محسوبة. عاجلاً أم آجلاً، ستولد هذه المناطق، والآلية التنفيذية ستتظهر بدقة في الأيام القليلة المقبلة مع بدء سريان وقف إطلاق النار.
اقرأ أيضاً خاص- عون يقطع حبل السرة مع طهران والمثلث اللبناني بواشنطن يتدخل


