كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon

يواجه المشهد السياسي اللبناني اليوم المنعطف الأبرز في تاريخه الحديث، وسط استحقاق مصيري يتمثل في تثبيت التموضع الجيوسياسي الجديد الذي أعلنه رئيس الجمهورية، العماد جوزف عون، في مقابلته الأخيرة مع شبكة “CNN” الأميركية. هذه المقابلة، بما حملته من نبرة سيادية غير مسبوقة، وضعت حداً فاصلاً بين مرحلتين، موجهةً رسالة شديدة اللهجة إلى طهران ومفادها أن الدولة اللبنانية قررت رسمياً قطع “حبل السُرّة” الإقليمي، وتكريس خيارها ككيان حر ومستقل يملك وحده حصرياً قرار السلم والحرب.
اقرأ أيضاً خاص- “إنزال شرعي” في الشمال.. كواليس ليلة تشغيل المطار البديل!

 

وتشير المعطيات الدبلوماسية المقربة من كواليس القرار إلى أن هذه الإطلالة رسمت ملامح مرحلة مغايرة تماماً لما قبلها، بغض النظر عن اتجاهات بورصة التصعيد العسكري في المنطقة أو حدود التهدئة المرتقبة، ومهما استشرست حملات الانتقاد والتخوين السياسية. وبحسب القراءة الإستراتيجية، فإن التوجه الرسمي الحالي يفرض على المؤسسات والأجهزة اللبنانية كافة التعامل مع الواقع على قاعدة أن لبنان غير معنيّ بكل ما يمكن لإيران أن تفعله، حتى ولو كان ذلك تحت عنوان الدفاع عنه أو حمايته.

 

سقوط زمن “الرعايات المفروضة” وتحرير بعبدا

تتحدث الأوساط واسعة الاطلاع عن أبعاد هذا التحول الإستراتيجي، مؤكدة أن لبنان يشهد حالة تحرر كاملة من صيغ “الرعايات الإقليمية” المفروضة، وهي دينامية مفقودة في المشهد السياسي اللبناني منذ ثمانينيات القرن الماضي. وتبين المؤشرات أن هذا الحسم جاء بعد مسار طويل قاده رئيس الجمهورية؛ إذ منح العهد فرصاً ومبادرات حوارية تجاوزت العام الكامل لتفادي الانزلاق نحو الحرب الشاملة، إلا أن إصرار الأطراف المرتبطة بالمحور الإقليمي على تغليب الأجندة الإيرانية ورفض المبادرات الداخلية، دفع بالقرار السيادي الرسمي نحو الحسم والقطع مع سياسات المحاور.
اقرأ أيضاً خاص- كواليس اتصال بري بالسفيرة معوض.. هل ينجح خط “عين التينة – واشنطن”؟

 

وفي مواجهة حملات التشكيك الممنهجة، يبدي رئيس الجمهورية إصراراً على المضي في هذا الخيار المستند إلى الأطر القانونية، مع الإبقاء على مقاربة احتواء البيت الداخلي؛ حيث يتعامل مع السجالات القائمة وحملات التخوين على أنها مجرد “فشة خلق” عابرة لن تؤثر في جوهر التوجه الإستراتيجي الجديد لبناء الدولة وإعادة الهيبة لشرعيتها ومؤسساتها القضائية والأمنية.

 

“المثلث اللبناني” في واشنطن يعيد بيروت إلى الطاولة الدولية

على الصعيد الدولي، نجح الحراك الدبلوماسي المشترك في إعادة إدراج الملف اللبناني كبند حيوي وثابت على طاولة القرار في البيت الأبيض، بعد سنوات من الانكفاء والتراجع في سلم أولويات العواصم الكبرى. ويرتكز هذا الحضور المتجدد على شبكة نفوذ وتواصل وثيقة الجذور ومؤثرة جداً في دوائر القرار المحيطة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تتبلور في ثلاثة مفاصل أساسية تبدأ من السفير الأميركي في بيروت، وهو المسؤول لبناني الأصل الذي يتحدث بالعامية اللبنانية ويملك خط اتصال مباشر بالرئيس ترامب شخصياً دون المرور بببيروقراطية وزارة الخارجية الأميركية.

 

هذا الامتداد يكتمل عائلياً مع وجود صهر الرئيس ترامب اللبناني الأصل، والذي يشكل عامل تذكير دائم للرئيس الأميركي بقضية لبنان وسيادته، بالإضافة إلى الدور المحوري لمستشار ترامب المسؤول عن معظم دول الشرق الأوسط، توم باراك، وهو أيضاً من أصول لبنانية ويحمل عاطفة قوية تجاه وطنه الأم. هذا “المثلث اللبناني” في واشنطن يوفر اليوم مظلة دولية وإستراتيجية صلبة للتوجهات السيادية اللبنانية، ويسهم في تعزيز الموقف الرسمي الرافض لتحويل الساحة المحلية إلى صندوق بريد عسكري أو سياسي لخدمة طهران.
اقرأ أيضاً خاص- هل يورط اتفاق واشنطن الجيش اللبناني.. أم يمهد لإنهاء منظومة حزب الله بالكامل؟
 

صناديق الاقتراع كممر إلزامي لإعادة تكوين السلطة

تخلص المعطيات المتوافرة إلى أن خريطة الطريق للمرحلة المقبلة لا تتوقف عند حدود التموضع الدبلوماسي والمواقف السياسية عالية السقف، بل تهدف بوضوح إلى التمهيد لإجراء انتخابات نيابية شفافة ومستقرة تمثل حقيقة المزاج اللبناني الجديد. وترى الأوساط السيادية أن هذا الاستحقاق يشكل الممر الإلزامي الحقيقي والوحيد لترجمة الواقع الشعبي الحالي، وإعادة تكوين السلطة وفق أسس تعكس حقيقة التطلعات اللبنانية، بعيداً عن أي محاولات للتلاعب أو الضغوط الميدانية والتزوير، لتأكيد أن قطار استعادة الدولة قد انطلق ولن يعود إلى الوراء.

 

 

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version