يسأل المغترب اللبناني، الذي اعتاد أن يقضي سنويًا قسطاً من عطلته الصيفية في ربوع وطنه الأم، إذا كان قادرًا على أن يحجز تذكرة سفر إلى بيروت في ظل الأوضاع الراهنة بفعل ما يتعرض له لبنان من استهدافات وتهديدات إسرائيلية، وفي ضوء رفض “حزب الله”، بلسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، التجاوب معl المساعي الأميركية لتثبيت وقف النار؟
الجواب عن هواجس المغتربين، وفق بعض الأوساط الديبلوماسية والمتابعة للملف اللبناني في العاصمة الأميركية، ليس سلبياً بالكامل كما قد يوحي المشهد الميداني والتصعيد السياسي. فالإدارة الأميركية لا تزال تعتبر أن منع انزلاق الوضع إلى مواجهة واسعة يشكل أولوية أساسية، وهي تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع انهيار التفاهمات القائمة، مهما كانت هشة.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تدرك أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر الضغوط العسكرية أو السياسية وحدها، بل تتطلب مقاربة أشمل تأخذ في الاعتبار الواقع اللبناني الداخلي، والتوازنات القائمة، فضلاً عن التطورات الإقليمية المتسارعة. لذلك فإن الجهود الأميركية لم تتوقف، وإن كانت تصطدم بعقبات كبيرة ناجمة عن تباعد المواقف بين الأطراف المعنية.
في المقابل، لا يخفي المسؤولون الأميركيون قلقهم من استمرار حالة المراوحة، معتبرين أن أي تأخير في التوصل إلى تفاهمات عملية يزيد من احتمالات التصعيد ويُبقي لبنان في دائرة الخطر. إلا أنهم يراهنون في الوقت نفسه على أن الضغوط الدولية والإقليمية، إضافة إلى الكلفة الباهظة لأي مواجهة جديدة، قد تدفع الأطراف كافة إلى إعادة النظر في حساباتها خلال المرحلة المقبلة.
وبين القلق المشروع الذي يعيشه اللبناني المقيم والمغترب على حد سواء، وبين الرهانات الدولية على الحلول السياسية، يبقى الأمل قائماً بأن يتمكن لبنان من تجاوز هذه المرحلة الدقيقة بأقل الأضرار الممكنة، وأن يستعيد تدريجياً مناخاً من الطمأنينة يسمح لأبنائه، أينما وجدوا، بالعودة إلى وطنهم من دون هواجس أو مخاوف.
غير أنّ ما يقلق المغتربين أكثر من أي عامل آخر لا يرتبط فقط بما يُقال في البيانات السياسية أو بما يتسرّب من أجواء المفاوضات، بل بما يرونه بأعينهم من خلال الشاشات ووسائل الإعلام. فالمغترب الذي يتابع يوميًا أخبار الغارات والاستهدافات والتهديدات المتبادلة لا يبني قراره على النوايا أو التطمينات، بل على الوقائع الملموسة. ومن هنا تكمن المعضلة الأساسية التي تواجهها الدولة اللبنانية في محاولتها إقناع أبنائها بالعودة خلال الموسم الصيفي.
فحتى الآن، لا تزال الفجوة واسعة بين المسار الديبلوماسي البطيء من جهة، والإيقاع الميداني المتسارع من جهة أخرى. فكلما أحرزت الاتصالات السياسية تقدمًا محدودًا، عادت التطورات العسكرية لتفرض نفسها على المشهد وتعيد خلط الأوراق. وهذا ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن لبنان لا يزال في مرحلة “إدارة الأزمة” أكثر مما هو في مرحلة “حل الأزمة”.
