في قراءة إسرائيلية تحمل دلالات مباشرة على الساحة اللبنانية، يرى اللواء احتياط تمير هايمان، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق والرئيس الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي INSS، أن المواجهة الحالية بين إسرائيل وإيران تدخل فصلًا خامسًا قد يكون الأكثر خطورة، لأنه يعكس انقلابًا في المعادلة: بعدما كان حزب الله يُستخدم درعًا لإيران، باتت إيران اليوم تتحرك كدرع لحزب الله.
وبحسب تحليل للواء احتياط تمير هايمان، فإن إسرائيل دخلت فصلًا خامسًا من القتال ضد إيران. ويشير هايمان إلى أن كل فصل من فصول المواجهة السابقة كان مختلفًا عن الآخر، إلا أن الفصل الحالي، استنادًا إلى التجربة الإسرائيلية في الجولات الماضية، يفتح احتمال تحول خطير نحو واقع أكثر سوءًا في مواجهة إيران والمحور الشيعي.
ويستعرض هايمان ما يسميه “ملخص الفصول السابقة”، موضحًا أن الجولة الأولى اندلعت عقب اغتيال قائد كبير في الحرس الثوري داخل مقر إيراني في دمشق، وشملت ليلة واحدة من الرشقات، ثم ردًا إسرائيليًا بعد أسبوعين تضمّن تدميرًا رمزيًا لمنظومات دفاع جوي.
أما الجولة الثانية، فجاءت عقب اغتيال نصرالله في بيروت، وشملت رشقتين واسعتين من إيران، في حين جاء الرد الإسرائيلي عبر تدمير مواقع إنتاج صواريخ باليستية، وتوجيه ضربة أوسع إلى منظومة الدفاع الجوي الإيرانية.
وبحسب هايمان، كانت الجولة الثالثة مبادرة إسرائيلية تحت اسم “حرب الـ12 يومًا”، وشملت تدمير المشروع النووي الإيراني. لكن لاحقًا، تبيّن أن التدمير لم يكن كاملًا، وأن إيران أعادت ترميم جزء من قدراتها.
أما الجولة الرابعة، أو “حرب الـ40 يومًا”، فجرت بمبادرة إسرائيلية – أميركية مشتركة، وكان هدفها إضعاف النظام الإيراني إلى حد إسقاطه، ومواصلة تدمير قدراته العسكرية الهجومية.
ويرى هايمان أن الجديد في الجولة الحالية هو تطبيق سياسة مجتبى خامنئي، معتبرًا أن هذه هي الجولة الأولى التي يقودها منذ بدايتها. فمع انطلاق عملية “زئير الأسد”، كان مجتبى قد أصيب، ولم يكن في الأيام الأولى والحاسمة من الحرب قادرًا على العمل بكامل قدرته. أما اليوم، فيخوض اختباره الأول بصفته القائد الأعلى الفعلي، وهذا قد يفسر، وفق هايمان، إصراره على التمسك بكلمته وتنفيذ تهديده.
ويعتبر هايمان أن مجتبى خامنئي يوجه في هذه الجولة رسائل عدة في وقت واحد: رسالة قوة وثقة بالنفس إلى الشعب في إيران، ورسالة تصميم وتشدد في المفاوضات عبر تحميل إسرائيل مسؤولية تدهور الوضع، ورسالة تغيير في المعادلات، حيث يعود مفهوم “وحدة الساحات” والمحور الشيعي إلى الواجهة بعدما جرى التسرع في اعتباره منتهيًا.
وفي النقطة الأشد ارتباطًا بلبنان، يرى هايمان أن إيران باتت تحمي حزب الله. فبدل أن يحمي حزب الله إيران عبر ردع إسرائيل، أصبحت إيران الآن هي التي تحمي حزب الله. ويصف هذا التحول بأنه انقلاب استراتيجي، و”مكافأة” من إيران لحزب الله على ولائه، وعلى أن نعيم قاسم خرج للدفاع عن إيران، ولو على حساب المصلحة اللبنانية، وبما عرّض مكانته داخل لبنان للخطر.
ويشبه هايمان هذه السابقة بسابقة مضيق هرمز. ففي الحالتين، تفرض إيران قواعد لم تكن قائمة قبل الحرب، وهي قواعد تخدم سردية الانتصار الإيرانية. أي أن إيران، بحسب قراءته، لا تريد إنهاء الحرب بانتصار قائم فقط على عدم الخسارة، بل بانتصار يرتكز إلى مكاسب جديدة: سيادة على مضيق هرمز و”ردع موسع” ينسحب أيضًا على لبنان.
ويشرح هايمان أن الجولتين الأوليين كانتا بمثابة إعلان خطوط حمراء من الجانبين، بهدف إعادة تأسيس ميزان ردع مستقر. أما هذه المرة، فالهدف الردعي مشابه، لكن الجولة الحالية قد تكون أطول من سابقاتها، وقد تشمل عدة موجات من الضربات، ما يجعلها فريدة وخطرة.
ويشير إلى أن الجولات التي يكون هدفها “ترميم الردع” وترسيم الخطوط الحمراء يصعب قياس النجاح فيها، ولذلك يصعب أيضًا معرفة متى وكيف يجب وقفها. ففي “حرب الـ12 يومًا”، كان الهدف واضحًا: المشروع النووي. وفي “حرب الـ40 يومًا”، كان الهدف تقليص القدرات العسكرية وزعزعة النظام، وهو معيار قابل للقياس ولو لم يتحقق بالكامل.
أما في الحالة الحالية، فإن صورة النهاية ليست واضحة. فمدى اكتمال الردع، بحسب هايمان، لن يُعرف إلا بعد توقف النار، عندما يهاجم الجيش الإسرائيلي في بيروت، وعندها يتبيّن ما إذا كانت إيران سترد أم لا. أما خلال المعركة، فلا يمكن معرفة ذلك، ولا معرفة حجم الألم الذي يجب إلحاقه بإيران حتى تصل الرسالة.
ويحذر هايمان من أن الفصل الخامس قد يشكل تحولًا سلبيًا في الميزان أمام إيران. فنجاح مجتبى خامنئي قد يثبت حكمه ويمنحه ثقة مفرطة بنظرته الراديكالية. كما أن ترميم “وحدة الساحات” ومعادلات ردع جديدة تتحرك فيها إيران للحد من قدرة إسرائيل في لبنان يمثّل تغييرًا سلبيًا، في حين أن جولات “الردع” الطويلة، من دون حسم أو تثبيت، قد تتحول إلى منعطف سيئ في الميزان الاستراتيجي مع إيران.
ويخلص هايمان إلى أمر واحد واضح: لا شيء انتهى مع إيران. فكل الإنجازات العملياتية اللافتة التي تحققت حتى الآن لم تنجح في تثبيت واقع أمني أفضل لإسرائيل، لا عبر الردع ولا عبر الحرب. ومن هنا، يرى أن الاستنتاج هو أن التعامل مع إيران لا يمكن أن يقوم على “إدارة الصراع” و”معادلات الردع”، بل يجب أن تترجم الإنجازات العسكرية إلى مسار سياسي واتفاقي ملزم.
واللواء احتياط تمير هايمان هو رئيس سابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وقائد سابق للفيلق الشمالي، ويترأس حاليًا معهد دراسات الأمن القومي INSS.
بهذا المعنى، لا تبدو المواجهة الجديدة مجرد جولة إضافية مع إيران، بل اختبارًا لمن يرسم المعادلات في المنطقة، ولما إذا كان لبنان سيتحول من جديد إلى ساحة اختبار للردع بين إسرائيل وطهران.

