في وقت تتسارع فيه التطورات الإقليمية على وقع المواجهة المتجددة بين إيران وإسرائيل، بعد استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت وما تبعه من رد إيراني، تتجه الأنظار إلى التداعيات السياسية التي قد تتركها هذه الأحداث على مسار المفاوضات الجارية في المنطقة، وعلى الواقع اللبناني على وجه الخصوص. وبين من يرى في ما جرى محاولة لإعادة خلط الأوراق وتعطيل التفاهمات القائمة، ومن يعتبره محطة مفصلية قد تسرّع الوصول إلى تسوية أوسع، تبرز قراءات سياسية متعددة لطبيعة المرحلة المقبلة واحتمالاتها.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي غسان ريفي، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، أن الرد الإيراني الأخير حمل رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، وانعكست على التوازنات الإقليمية ومسار المفاوضات الجارية.
ورأى ريفي، أن الرد الإيراني على إسرائيل حمل دلالات سياسية تتجاوز البعد العسكري، معتبراً أن “هناك من كان يعيّر المقاومة دائماً بإيران، لكن إيران أثبتت اليوم أنها مع المقاومة، وتحملت وزر هذا الرد من خلال الهجمات التي تعرضت لها على أرضها”.
وأكد أن إيران “لم تغيّر نهجها تجاه لبنان أو تجاه المقاومة”، معتبراً أن التغيير حصل في المقاربة اللبنانية الرسمية مع وجود السلطة الجديدة التي “يبدو واضحاً أنها أميركية الهوى وتعمل على تنفيذ التوجهات الأميركية التي تعتبر أن إيران هي سبب ما يجري في لبنان”.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تتحدث عن الدور الإيراني في لبنان، فيما “هي نفسها تفاوض الإيراني وتطلب من الإسرائيلي عدم الرد على استهداف العمق الإسرائيلي من أجل الحفاظ على المفاوضات”، مضيفاً: “إيران لا تمزح، لكننا نعلم أيضاً أنه لا توجد خطوة إسرائيلية من دون مباركة أميركية، وحتى وزير الخارجية الإيراني شكك في هذا الأمر”.
واعتبر ريفي أن استهداف الضاحية الجنوبية جاء في إطار محاولة إسرائيلية لاختبار إيران وإحراجها، موضحاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يسعى إلى تحقيق أكثر من هدف من خلال هذه الضربة، أبرزها تعطيل التفاهمات والمفاوضات الجارية وإعادة خلط الأوراق، لا سيما بعد التسريبات التي تحدثت عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سريع يؤدي إلى وقف إطلاق النار في المنطقة، بما فيها لبنان.
وأضاف أن نتنياهو أراد أيضاً إحراج إيران من خلال الاعتقاد بأنها لن ترد حفاظاً على الأجواء الإيجابية المحيطة بالمفاوضات، “لكن ذلك لم يحصل، وانقلب السحر على الساحر، وردت إيران بعنف على إسرائيل”.
وتابع: “في حين كان نتنياهو يسعى إلى إحراج إيران، فإن الرد الإيراني هو الذي أحرج نتنياهو ووضعه أمام خيارين: إما عدم الرد على إيران وما قد يرافق ذلك من انتقادات من وزراء اليمين المتطرف ومن المجتمع الإسرائيلي الذي بدأ يتحدث عن ضعف نتنياهو وارتهان قراره للولايات المتحدة، وإما الرد على إيران ومخالفة رغبة دونالد ترامب الذي طلب عدم الرد حفاظاً على المفاوضات”.
ورأى ريفي أن الرد الإيراني يعزز موقع المقاومة داخل المشهد اللبناني، قائلاً: “طبيعي أن يعطي الرد الإيراني روحاً للمقاومة ومعنويات إضافية، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن لبنان سيبقى حاضراً في أي مفاوضات أو تسوية أميركية – إيرانية مقبلة”.
كما اعتبر أن ما قام به نتنياهو من خلال استهداف الضاحية وما تلاه من رد إيراني “أدى إلى دفن اتفاق واشنطن وإنهاء مفاعيله بالكامل”، لافتاً إلى أن الجلسة المرتقبة في 22 من الشهر المقبل “باتت جلسة لزوم ما لا يلزم، لأنها لن تبدل شيئاً في المشهد القائم، في ظل تمسك المقاومة بموقفها ودعم إيران لهذا الموقف، ووضع وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي في رأس الأولويات”.
وشدد على أن “أي عاقل لبناني يدرك أن مصلحة لبنان تقتضي أن يكون جزءاً من هذه المفاوضات، لا أن يذهب إلى تقديم تنازلات مجانية ومن دون مقابل، بما يفتح الباب أمام توترات أمنية وفتنة تسعى إسرائيل إلى إشعالها”.
وعن مستقبل المواجهة، قال ريفي مستعيناً بمثل لبناني: “إذا ما كبرت ما بتصغر”، معتبراً أن المنطقة كانت طوال الأسابيع الماضية في حالة مراوحة بين الحرب والتسوية، لكن التطورات الأخيرة غيّرت المشهد.
وأضاف أن الهجوم والهجوم المضاد، إلى جانب دخول اليمن على خط المواجهة والتلويح بإجراءات في باب المندب، كلها عوامل من شأنها أن تدفع الأحداث نحو أحد احتمالين: “إما إنهاء الحرب بشكل كامل عبر تسوية شاملة، وإما الذهاب نحو تفجير شامل للمنطقة”.
وختم ريفي بالقول: “نحن اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: إما التفجير وإما التسوية الشاملة، لأن الإيراني لم يعد يحتمل، والأميركي لم يعد يحتمل، والإسرائيلي أيضاً لم يعد قادراً على تحمل نتائج ما حصل، ولذلك فإن المنطقة تقف عند مفترق طرق حاسم”.
