لم يصمد “إعلان واشنطن” حول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل سوى لساعات معدودة، قبل أن يتحول الإنطباع بأن اختراقاً نادراً قد تحقق في جدار الحرب المستمرة منذ أشهر، إلى انسداد على المستويين السياسي الداخلي والأمني في الجنوب، حيث عاد شبح التصعيد الإسرائيلي الواسع إلى الواجهة.
فإذا كانت الدولة اللبنانية، مدعومةً بتحرك عربي ودولي، تعتبر أنها نجحت في انتزاع تفاهم يفتح الباب أمام وقف شامل للعمليات العسكرية وإعادة تثبيت الإستقرار جنوباً، فإن الوقائع على الأرض، إلى جانب المواقف الإيرانية ورفض “حزب الله”، كشفت سريعاً حجم التحديات التي تهدد الإتفاق، وربما تضعه على طريق الإنهيار قبل أن يدخل حيّز التنفيذ الكامل.
ووصف رئيس الجمهورية جوزاف عون التفاهم بأنه “الفرصة الأخيرة” أمام اللبنانيين لتجنيب البلاد جولة جديدة من الدمار، محذراً من “إعطاء إسرائيل أي ذرائع لتأخير انسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلة”.
كما دعم رئيس الحكومة نواف سلام مسار التفاوض، مكرراً أنه “لم يكن الخيار الوحيد المتاح، لكنه الخيار الأفضل”.
ولقي الإعلان تأييداً ودعماً غربيين، إذ شدد الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، الذي يزور بيروت، على أولوية وقف إطلاق النار ودعم المؤسسات الرسمية، فيما أعلن الإتحاد الأوروبي عن حزمة دعم جديدة للجيش اللبناني بقيمة 100 ملايين يورو، في إطار مساعيه لتعزيز قدراته.
غير أن الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم لم يكتفِ بإبداء التحفظ على الإتفاق، بل ذهب إلى حد وصف المفاوضات التي أنتجته بأنها “مهزلة” و”إهانة للبنان”، مؤكداً أن الحزب لم يلتزم وقف المقاومة أو الرد العسكري.
والمفارقة أن موقف الحزب جاء بعد ساعات فقط من تصريحات قائد “فيلق القدس” الإيراني إسماعيل قاآني، الذي شدد على أن الحد الأدنى المقبول بالنسبة إلى “المقاومة” هو انسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل الحرب.
ومن هنا، فإن مقاربة التصعيد الكلامي ضد الإعلان والمسار التفاوضي قد تكون محاولة لتعديل شروط الإتفاق أو رفع سقف المطالب قبل دخوله حيّز التنفيذ، أكثر مما هي رفض نهائي له.
لكن رفع السقف ينطوي على مخاطر كبيرة، لأن إسرائيل، التي وافقت على التفاهم تحت ضغط دولي وأميركي، لا تخفي استعدادها للعودة إلى التصعيد إذا استمرت الهجمات من الجنوب، فيما تبدو الإدارة الأميركية أقل استعداداً هذه المرة لمنح الحزب هامش مناورة واسعاً، بعدما ربطت نجاح الإتفاق بتنفيذ واضح لبنوده، وفي مقدمها وقف العمليات العسكرية جنوب الليطاني.
وقد انعكس هذا الواقع ميدانياً، إذ بدأ الجيش اللبناني خطوات انتشار في بعض المناطق التي أخلاها الجيش الإسرائيلي، فيما واصل الحزب الإعلان عن عمليات استهداف لمواقع وتجمعات إسرائيلية.
لذلك، وبعد 24 ساعة على “إعلان واشنطن”، لم يعد التحدي محصوراً بتوقيع الإتفاق أو إعلان بنوده، بل انتقل إلى مرحلة ما بعده، وما تحمله من اختبارات ميدانية وسياسية. وتبرز في هذا السياق “المناطق التجريبية” التي تندرج ضمن الترتيبات المطروحة، حيث يتولى الجيش اللبناني السيطرة الحصرية عليها بعد انسحاب إسرائيل، مع ضمان انسحاب الحزب منها، ما يجعل نجاح هذه التجربة أو فشلها عاملاً حاسماً في تحديد مصير الإتفاق برمّته.


