في وقت تتواصل فيه المساعي الأميركية للتوصل إلى تفاهم مع إيران ينهي الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقة، برز موقف إيراني جديد يربط أي تسوية شاملة بوقف المواجهة على جميع الجبهات، وفي مقدمها الجبهة اللبنانية، وسط تباينات متزايدة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن مستقبل المنطقة وآليات التعامل مع إيران وحلفائها.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون نشره موقع “معاريف” الإسرائيلي، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستشاريه في اجتماعات مغلقة أنه لا ينوي استئناف الحرب الشاملة ضد إيران، إلا في حال مقتل جنود أميركيين.
ونقل التقرير عن صحيفة “وول ستريت جورنال” أن استعداد ترامب لتحمل حوادث أمنية محدودة يعكس رغبته القوية في تجنب تصعيد واسع في الشرق الأوسط، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في نيسان الماضي.
وفي موازاة ذلك، أشار التقرير إلى ما كشفه الصحافي باراك رافيد عبر موقع “أكسيوس” بشأن اتساع الفجوة بين ترامب ونتنياهو حيال مستقبل المنطقة.
وبحسب مسؤولين أميركيين، يسعى ترامب إلى خفض التوترات وإنهاء النزاعات المستمرة والتوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران، فيما يبدو أن نتنياهو يفضّل الإبقاء على الضغط العسكري على إيران وحلفائها، ومن بينهم حزب الله.
وفي المقابل، وجه الحرس الثوري الإيراني تحذيراً إلى إسرائيل مطالباً إياها بوقف هجماتها على لبنان “فوراً”، كما أعلن رفضه الاتفاق القائم بين لبنان وإسرائيل.
وأكد الحرس الثوري أن وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، يشكل الشرط الأولي لطهران لإنهاء الحرب، مهدداً بعدم عودة الهدوء إلى المنطقة ما دامت إسرائيل تواصل وجودها في الأراضي اللبنانية.
وتأتي هذه التطورات بعد أسبوع من المواجهات المكثفة في منطقة مضيق هرمز، تخللته هجمات صاروخية وهجمات بمسيّرات إيرانية استهدفت قواعد أميركية ومطار الكويت الدولي، وأسفرت إحدى الهجمات عن سقوط قتيل واحد.
ورغم تبادل الضربات، شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن العمليات الأميركية كانت “دفاعية فقط”.
وفي الوقت نفسه، يواصل ترامب الحديث عن اقترابه من توقيع مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، تتضمن تفكيك البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح خطوط الملاحة البحرية المعطلة.
لكن طهران تشترط المضي في المفاوضات بالإفراج عن أصولها المالية المجمدة، وترفض تقديم تنازلات مسبقة، فيما يواصل ترامب الموازنة بين التهديد العسكري والتفاؤل بإمكان التوصل إلى اتفاق، في وقت يحذر فيه خبراء من أن الإيرانيين لا يبدون استعداداً للتراجع سريعاً.
ويشير التقرير إلى أن ملف التعويضات والأموال المجمدة بات أحد أبرز العقبات المتبقية في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
ونقلت شبكة “سي أن أن” عن مسؤول أميركي مطلع أن ترامب مصمم على التوصل إلى اتفاق يعتبره أفضل بكثير من الاتفاق النووي الذي أبرم خلال عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ويسعى في الوقت نفسه إلى تفادي تكرار ما يعتبره أخطاء المرحلة السابقة.
ووفق التقرير، أبلغت إيران الوسطاء بأنها تطالب بالحصول على تعويض مالي أو الإفراج عن جزء من أموالها فور التوصل إلى تفاهمات أولية بشأن مذكرة التفاهم، وعدم انتظار مراحل لاحقة من المفاوضات.
في المقابل، تبدي إدارة ترامب خشيتها من أن يؤدي الإفراج المبكر عن الأموال إلى تخفيف الضغط الاقتصادي الذي فُرض على إيران خلال الحرب، وبالتالي خسارة أهم أوراق الضغط الأميركية قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.
ويُفترض أن تتناول هذه المرحلة، بحسب توصيف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، تفاصيل تقنية دقيقة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
وأكد التقرير أن ترامب أبلغ فريقه بأنه لا يريد أي مشهد قد يُفسَّر على أنه تسليم أموال مباشرة لإيران، في إشارة إلى الانتقادات التي وجهها سابقاً لسياسة أوباما تجاه طهران.
وللمقارنة، أشار التقرير إلى أن الاتفاق النووي عام 2015 أتاح لإيران الحصول على نحو 1.7 مليار دولار، بينما تطالب طهران حالياً بالإفراج عن ما يصل إلى 12 مليار دولار ضمن المفاوضات الحالية.
ولهذا السبب، أكد ترامب أنه لن يوقّع أي اتفاق يتضمن تحويل أموال أميركية مباشرة إلى النظام الإيراني.
وفي ظل إدراك واشنطن أن إيران قد لا توافق على أي اتفاق من دون مقابل اقتصادي، تبحث الإدارة الأميركية عن بدائل، من بينها الإفراج عن الأموال عبر دول أخرى مثل قطر، أو تحرير أصول مالية مخصصة حصراً للأغراض الإنسانية كالأدوية والغذاء والزراعة من خلال مزودين معتمدين، أو إنشاء صندوق استثماري لإعادة الإعمار تموله دول خليجية من دون مشاركة مالية أميركية مباشرة.
ويصر البيت الأبيض على أن أي تخفيف مالي لن يتم قبل تخلي إيران عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.
وقال ترامب خلال اجتماع حكومي الأسبوع الماضي: “لدينا سيطرة على أموال يقولون إنها لهم. عندما يتصرفون بشكل صحيح ويفعلون الشيء الصحيح سنعطيهم المال، لكننا لا نفعل ذلك الآن”.
من جهته، شدد روبيو أمام الكونغرس على أنه لن تكون هناك “منح توقيع”، مؤكداً أن رفع العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي لن يبدأ إلا بعد تنفيذ إيران كامل الالتزامات المطلوبة منها.
وبينما تحاول واشنطن صياغة اتفاق يضمن إنهاء الحرب وتجنب مواجهة جديدة، تبدو الجبهة اللبنانية واحدة من أبرز العقد التي قد تحدد شكل التسوية الإقليمية المقبلة ومصير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
