تقترب الولايات المتحدة وإيران من تفاهم أولي قد يفتح الباب أمام إنهاء الحرب وتخفيف التوتر في واحدة من أكثر الساحات حساسية في العالم، بعدما كشفت مصادر لوكالة “رويترز” أن الجانبين توصلا إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار، والسماح برفع القيود عن الملاحة عبر مضيق هرمز، وفك الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ورفع بعض العقوبات المفروضة على طهران، من دون أن توضع اللمسات النهائية على الاتفاق بعد.

وبحسب المصادر، فإن التفاهم المطروح يشكل خطوة كبيرة نحو وقف الحرب التي دفعت العالم إلى أزمة طاقة، خصوصاً أن مضيق هرمز يُعد شرياناً أساسياً لحركة النفط والغاز عالمياً، بعدما تسبب إغلاقه بارتفاع حاد في أسعار النفط واضطراب واسع في حركة التجارة البحرية.

غير أن الاتفاق، بصيغته الحالية، لا يحسم الخلاف الأبرز بين واشنطن وطهران، أي البرنامج النووي الإيراني، إذ من المنتظر أن يُترك هذا الملف لمحادثات لاحقة خلال الأسابيع المقبلة، بعد تثبيت التهدئة وفتح الممرات البحرية ومعالجة بعض الملفات الاقتصادية العاجلة.

ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أوائل نيسان، بقي الطرفان على خلاف حول ملفات شائكة، أبرزها طموحات إيران النووية، وحرب إسرائيل في لبنان على حزب الله، ومطالب طهران برفع العقوبات والإفراج عن أصول مجمدة في الخارج.

وبعد محادثات استمرت أسابيع، وجرت بمعظمها بصورة غير مباشرة، قالت 4 مصادر مطلعة إن الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على مذكرة تفاهم من شأنها وقف الحرب ومنح المفاوضين مهلة 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي.

إلا أن الطريق نحو التوقيع لا يزال محفوفاً بالحذر، إذ سبق للطرفين أن أعلنا في أكثر من محطة أن الاتفاق بات وشيكاً، من دون أن يؤدي ذلك إلى إنجاز نهائي. كما يبقى موقف إسرائيل محورياً في أي تفاهم، خصوصاً أنها شنت حرباً جوية على إيران في 28 شباط بمشاركة الولايات المتحدة، فيما لا يزال دورها في المساعي الجارية غير واضح.

وقالت المصادر إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يقر الاتفاق بعد. في المقابل، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن واشنطن لم تصل إلى الاتفاق بعد، لكنها “قريبة جداً” وستواصل العمل على إنجازه.

أما إيران، فلم تصدر موقفاً رسمياً حاسماً حتى الآن، غير أن وكالة “تسنيم” الإيرانية شبه الرسمية نقلت عن مصدر قريب من فريق التفاوض أن نص الاتفاق لم توضع عليه اللمسات النهائية بعد ولم يتم تأكيده.

وتشير المعطيات إلى أن الاتفاق الإطاري يقتصر في مرحلته الأولى على إنهاء الحرب على مختلف الجبهات، ووضع إطار زمني مدته 30 يوماً لتنظيم حركة الملاحة الدولية والإيرانية عبر مضيق هرمز، مع احتمال تقديم دعم مالي أو إجراءات اقتصادية تخفف الضغط عن طهران.

بعد ذلك، يُفترض أن تبدأ مفاوضات أكثر تعقيداً حول ملفات أساسية، بينها وضع اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، والتفاصيل المرتبطة بمضيق هرمز، وآلية تنفيذ البنود المتعلقة برفع العقوبات، والتدابير الأمنية، ومستقبل الرقابة الدولية على البرنامج النووي.

وتعود حساسية الملف النووي إلى أن الوصول إلى اتفاق شامل حوله يتطلب مفاوضات تقنية وسياسية معقدة، كما حصل في اتفاق عام 2015، الذي استغرق سنوات من التفاوض قبل أن ينسحب منه ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى في عام 2018.

وتعد مسألة تخصيب اليورانيوم العقدة الأساسية في هذا المسار، إذ ترى الولايات المتحدة أن إيران تسعى إلى تطوير قدرة نووية عسكرية، فيما تؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط.

وتتحدث مصادر إيرانية عن احتمال أن تقبل طهران لاحقاً بتخفيف جزء من اليورانيوم عالي التخصيب في دولة صديقة إلى نسبة نقاء 5% ثم استعادته، إلا أن ملفات أخرى لا تزال عالقة، بينها مدة وقف البرنامج النووي، ومصير المواقع النووية، ومخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 20% و5%، ومستقبل أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وبرامج البحث والتطوير، وقواعد التفتيش.

ولا يقتصر التعقيد على الملف النووي، إذ تبقى الصواريخ الباليستية الإيرانية بنداً حساساً في أي تفاوض. فقد طالبت واشنطن قبل الحرب بالحد من مدى هذه الصواريخ، بما يمنع وصولها إلى إسرائيل، في حين تؤكد طهران أن حقها في امتلاك الأسلحة التقليدية غير قابل للتفاوض.

اقتصادياً، تُعد العقوبات والأصول المجمدة من أبرز الملفات بالنسبة إلى إيران، التي تضرر اقتصادها على مدى سنوات من القيود الأميركية، وتحتاج إلى رفع العقوبات والإفراج عن إيرادات النفط المجمدة في بنوك أجنبية، والمقدرة بعشرات المليارات من الدولارات، إضافة إلى مطالبتها بتعويضات عن أضرار الحرب.

في المقابل، تبدي واشنطن تحفظاً كبيراً على تقديم تنازلات مالية واسعة لطهران، خصوصاً أن ترامب سبق أن انتقد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بسبب إعادة بعض الأصول المجمدة لإيران ضمن اتفاق عام 2015، فيما تتحدث بعض التقارير عن احتمال تضمين المسودة الأحدث برنامج استثمارات في إيران.

أما لبنان، فيحضر كأحد البنود الأكثر حساسية في خلفية التفاهم. فقد أكدت إيران مراراً أن الحرب الإسرائيلية على حزب الله في لبنان يجب أن تكون مشمولة في أي اتفاق، في حين تواصل إسرائيل حملتها العسكرية في الجنوب وتعارض أي تفاهم أميركي – إيراني يحد من هامش حركتها في لبنان.

وتتبادل إسرائيل وحزب الله الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، فيما يكثف الجيش الإسرائيلي عملياته في جنوب لبنان، ما يجعل الملف اللبناني جزءاً أساسياً من الحسابات المرتبطة بأي تسوية إقليمية أوسع.

وبذلك، يبدو الاتفاق المطروح أقرب إلى تفاهم مرحلي لإدارة الحرب ومنع انفجار أكبر، لا إلى تسوية نهائية لكل الملفات. فهو يبدأ من هرمز والعقوبات ووقف النار، لكنه يرحّل القضايا الأكثر تعقيداً، من النووي إلى الصواريخ ولبنان، إلى مفاوضات لاحقة قد تكون أكثر صعوبة من الاتفاق الأولي نفسه.

وفي حال أقر ترامب المسودة، ستكون المنطقة أمام اختبار دقيق: هل ينجح وقف النار في تثبيت مسار دبلوماسي جديد بين واشنطن وطهران، أم أن الملفات المؤجلة ستعيد التوتر إلى نقطة الصفر، خصوصاً في ظل اعتراض إسرائيل وحساسية الجبهة اللبنانية؟

استندت الصياغة إلى النص المرفق المنسوب إلى “رويترز”.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version