بعيدًا من الضجيج السياسي والإعلامي، يتفاعل داخل مؤسسات الدولة اللبنانية ملف بالغ الحساسية قد يتحول تدريجيًا إلى واحد من أخطر الملفات التفجيرية بين الحكومة و”حزب الله”. فالقضية، وفق مصادر متابعة، لم تعد مرتبطة بإجراء إداري روتيني أو خلاف قانوني عابر، بل باتت تُقرأ داخل الحزب باعتبارها بداية مسار منظم يستهدف البنية الاجتماعية والخدماتية التي شكّلت على مدى عقود أحد أبرز عناصر نفوذه الشعبي والسياسي داخل بيئته الحاضنة.

وفي هذا السياق، علم “ليبانون ديبايت” أن المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين في وزارة الداخلية لم تمنح جمعية “القرض الحسن” الإفادة السنوية المطلوبة عن العام 2026، وهي الوثيقة الأساسية التي تؤكد سلامة الوضع القانوني والإداري للجمعية، وتسمح لها بمتابعة أعمالها الطبيعية أمام الإدارات الرسمية والمؤسسات المختلفة.

وبحسب المعلومات، فإن ما يزيد من حساسية الملف أن الحصول على هذه الإفادة يُعدّ إجراءً إداريًا روتينيًا تخضع له جميع الجمعيات في لبنان، إذ يتوجب على كل جمعية تقديم ميزانيتها السنوية موقعة من أمين السر وأمين الصندوق والرئيس، إضافة إلى محاضر الهيئة الإدارية أو الجمعية العمومية ولوائح الأعضاء، وهو ما قامت به جمعية “القرض الحسن” بالكامل وفق الأصول القانونية والإدارية المعتمدة.

إلا أن رئيسة المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين في وزارة الداخلية، فاتن يونس، لم تمنح الجمعية الإفادة المطلوبة رغم استكمال المستندات، ما فتح الباب أمام تساؤلات سياسية وقانونية واسعة حول خلفيات القرار وأبعاده الفعلية.

وتؤكد المعلومات أن خطورة هذا الإجراء لا تكمن في كونه سحبًا مباشرًا للترخيص، لأن الجمعية لا تزال قائمة قانونيًا، بل في مفاعيله العملية والإدارية. فعدم الحصول على الإفادة السنوية يؤدي تلقائيًا إلى شلل تدريجي في عمل الجمعية داخل الإدارات الرسمية، ويعرقل معاملاتها المرتبطة بالضمان الاجتماعي ووزارة المالية والمؤسسات المصرفية وسائر الجهات التي تتطلب هذه الوثيقة بصورة دورية لاستكمال الإجراءات المالية والإدارية.

وبحسب مصادر مطلعة، بدأت الأزمة تنعكس فعليًا على الأداء اليومي للجمعية، وسط مخاوف متزايدة من توسع نطاق التعطيل تدريجيًا، بما يضع “القرض الحسن” أمام حصار إداري ومالي مقنّع، لا يصل إلى حد الإقفال الرسمي، لكنه يدفع عمليًا نحو خنق الجمعية وتعطيل دورها الوظيفي والخدماتي.

وفي هذا الإطار، تصف مصادر قريبة من “حزب الله”، عبر “ليبانون ديبايت”، ما يجري بأنه “أخطر استهداف تتعرض له المنظومة الاجتماعية للحزب منذ سنوات”، معتبرة أن القضية تتجاوز “القرض الحسن” بحد ذاته، نحو محاولة ممنهجة لتفكيك البنية الخدماتية التابعة للحزب بصورة تدريجية ومدروسة.

وتشير هذه المصادر إلى أن “القرض الحسن” لا يُعدّ مجرد مؤسسة مالية داخل البيئة الحاضنة لـ”حزب الله”، بل يشكل أحد الأعمدة الاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي يعتمد عليها عشرات آلاف المستفيدين، وبالتالي فإن شلّه إداريًا ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي داخل هذه البيئة.

وترى المصادر أن ما يحصل لا يمكن فصله عن مسار أوسع بدأ مع استهداف محطات “الأمانة” التي دُمّرت خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وسط خشية جدية من انتقال الضغوط لاحقًا إلى المدارس والمؤسسات التربوية والمستوصفات والمستشفيات التابعة للحزب، ضمن خطة تعتبرها “ممنهجة” لتقويض شبكة الخدمات الاجتماعية التي راكمها “حزب الله” على مدى عقود.

وتضيف المصادر أن الحزب يتعامل مع هذا المسار باعتباره أخطر من المواجهة العسكرية المباشرة، لأن استهداف المنظومة الاجتماعية يعني عمليًا ضرب النفوذ الشعبي والتنظيمي للحزب من الداخل، وإضعاف شبكة الخدمات والرعاية التي تشكل أحد أهم عناصر حضوره السياسي والاجتماعي.

وفي المقابل، تطرح أوساط متابعة تساؤلات جدية حول قدرة الدولة اللبنانية على تحمّل تداعيات الذهاب بعيدًا في هذا المسار، خصوصًا أن أي تصعيد إضافي في ملف “القرض الحسن” قد يتحول سريعًا إلى اشتباك سياسي داخلي بالغ الحساسية، في ظل اقتناع “حزب الله” بأن ما يجري لم يعد مجرد إجراء إداري، بل بات يمس مباشرة توازناته الداخلية وبنيته الاجتماعية.

وفي الخلاصة، لا يبدو أن أزمة الإفادة السنوية لـ”القرض الحسن” ستبقى تفصيلًا إداريًا عابرًا داخل أروقة وزارة الداخلية، بل قد تتحول إلى عنوان مواجهة كبرى بين الدولة و”حزب الله”، عنوانها الأعمق: هل دخل لبنان فعلًا مرحلة تفكيك المنظومة الاجتماعية للحزب من الداخل، بعدما تعذر إسقاطها بالمواجهة العسكرية؟

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version