دخلت المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران مرحلة أكثر حساسية، بعدما أقرّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن التوصل إلى اتفاق مع إيران قد يحتاج إلى “بضعة أيام”، في مؤشر إلى أن الطريق نحو تفاهم نهائي لا يزال محكومًا بعقد أساسية، رغم الحديث عن تقدم في صياغة إطار أولي لإنهاء الحرب المستمرة بين الطرفين.
وقال روبيو، الثلاثاء، إن إنجاز الاتفاق مع إيران قد يستغرق “بضعة أيام”، ما بدّد توقعات تحقيق انفراجة سريعة في المحادثات الجارية، خصوصًا مع استمرار التباينات حول الملفات النووية والأمنية والعقوبات والملاحة في الخليج.
وفي المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في وقت سابق، أن المحادثات أحرزت تقدمًا في عدد كبير من النقاط المتعلقة بمذكرة تفاهم من 14 بندًا، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن التوصل إلى اتفاق نهائي بات قريبًا.
وتتركز المحادثات غير المباشرة، التي انطلقت منذ وقف إطلاق النار في أوائل نيسان، على مجموعة ملفات شائكة تشمل البرنامج النووي الإيراني، العقوبات الاقتصادية، حرب إسرائيل في لبنان ضد حزب الله، إضافة إلى ملف الملاحة في الخليج العربي.
وبحسب الطرفين، فإن المفاوضات أحرزت تقدمًا نحو صياغة إطار أولي لاتفاق محتمل يهدف إلى إنهاء الحرب، على أن يتضمن منح مهلة 60 يومًا للتفاوض على التفاصيل النهائية.
وأوضح بقائي أن الإطار المقترح يتضمن وقف العمليات العسكرية على عدة جبهات، مقابل تخفيف القيود على الملاحة في مضيق هرمز، ورفعًا جزئيًا للعقوبات، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.
ويُعد مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الخلاف، إذ تتعامل معه طهران كورقة ضغط استراتيجية، فيما تصفه واشنطن بأنه ملف أمني بالغ الحساسية، نظرًا إلى تأثيره المباشر على حركة الطاقة والتجارة في المنطقة.
أما البرنامج النووي، فيبقى العقدة المركزية في مسار التفاوض. فالولايات المتحدة تصر على فرض قيود على تخصيب اليورانيوم، بينما تؤكد إيران أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية فقط، وترفض في الوقت نفسه إدراج قدراتها الصاروخية ضمن أي تفاهم محتمل.
وتشير تسريبات إلى احتمال التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تشمل خفض مستوى التخصيب أو نقل جزء من المخزون النووي إلى دولة ثالثة، من دون حسم تفاصيل المدى الزمني أو آليات التنفيذ.
وفي هذا السياق، قال مسؤول كبير في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوكالة “رويترز”، إن إيران وافقت “من حيث المبدأ” على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأميركي المفروض عليها، والتخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
وإلى جانب الملف النووي، تطالب طهران برفع كامل للعقوبات الأميركية، والإفراج عن الأصول المجمدة، إضافة إلى تعويضات عن الأضرار الاقتصادية الناتجة عن سنوات من القيود.
في المقابل، تتمسك واشنطن بضرورة إدراج برنامج الصواريخ الباليستية على طاولة المفاوضات، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع، معتبرة أن هذا الملف خارج نطاق أي اتفاق محتمل.
وبحسب مسؤولين، فإن أي اتفاق مبدئي سيحتاج إلى موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قبل رفعه إلى المرجعية العليا في طهران للمصادقة النهائية. وقال المسؤول الأميركي الكبير إن ما فهمته واشنطن هو أن الإطار العام للاتفاق نال موافقة مبدئية من القيادة الإيرانية.
وتشير المعطيات إلى أن المرحلة الأولى من الاتفاق المحتمل قد تركز على وقف التصعيد العسكري وتنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال فترة انتقالية تصل إلى 30 يومًا، على أن تستكمل لاحقًا مفاوضات أوسع بشأن القضايا النووية والأمنية والاقتصادية الأكثر تعقيدًا.
وتأتي هذه المفاوضات في ظل ذاكرة سياسية ثقيلة، إذ إن تجربة الاتفاق النووي لعام 2015، وانسحاب واشنطن منه عام 2018، لا تزال تلقي بظلالها على حسابات الطرفين. فطهران تبحث عن ضمانات اقتصادية وسياسية تمنع تكرار التجربة السابقة، فيما تسعى واشنطن إلى تفاهم أشد صرامة يربط الملف النووي بالأمن الإقليمي والملاحة والصواريخ، ما يجعل أي اختراق محتمل محكومًا بتوازن دقيق بين الحاجة إلى وقف الحرب وصعوبة تقديم تنازلات كبرى.
