في خطوة عكست حجم التحولات التي تحاول واشنطن فرضها على الشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب عددًا من القادة العرب والمسلمين، وعلى رأسهم السعودية، بطلب سياسي حسّاس خلال اتصال مغلق، لدرجة أن الصمت خيّم على الخط لثوانٍ قبل أن يسألهم مازحًا: “هل ما زلتم على الخط؟”. الطلب لم يكن عاديًا، بل يتعلق بمستقبل “اتفاقات أبراهام” والتطبيع مع إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية.

وبحسب تقرير للصحافي باراك رافيد في موقع “أكسيوس”، أبلغ ترامب خلال اتصال هاتفي عُقد السبت قادة السعودية، الإمارات، قطر، باكستان، تركيا، مصر، الأردن والبحرين، أنه في حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران، فإنه يتوقع من الدول التي لا تزال خارج “اتفاقات أبراهام” أو لا تملك اتفاقات سلام مع إسرائيل، الانضمام إلى مسار التطبيع مع الدولة العبرية.

وأشار التقرير إلى أن تصريحات ترامب خلال الاتصال تعكس رؤيته للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط بعد الحرب، حيث يسعى بصورة أساسية إلى تحقيق اتفاق سلام تاريخي بين السعودية وإسرائيل، رغم إدراكه أن المناخ السياسي الحالي في المنطقة، إلى جانب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، يجعل أي اختراق قريب أمرًا بالغ الصعوبة.

وأوضح التقرير أن ترامب أجرى الاتصال لبحث الاتفاق الناشئ مع إيران، حيث أبدى عدد من القادة، وبينهم رئيس الإمارات محمد بن زايد، الذي يُعرف بموقفه الأكثر تشددًا تجاه إيران، دعمهم للمسار المطروح. ونقل التقرير عن مسؤول أميركي قوله: “الجميع قالوا لترامب: نحن معك في هذا الاتفاق، وإذا لم ينجح فنحن أيضًا معك”.

وكشف مسؤول أميركي مطلع على تفاصيل الاتصال أن ترامب أبلغ القادة بأنه سيتصل لاحقًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مضيفًا أنه يأمل بأن يكون نتنياهو “جزءًا من هذا الاتصال في المستقبل القريب”.

وبحسب مسؤولين أميركيين نقل عنهم التقرير، فإن طلب ترامب من الدول العربية والإسلامية الانضمام إلى “اتفاقات أبراهام” فاجأ عددًا من القادة، خصوصًا السعودية وقطر وباكستان، التي لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل. وقال أحد المسؤولين الأميركيين: “ساد الصمت على الخط للحظات، قبل أن يمزح ترامب ويسألهم إذا كانوا لا يزالون موجودين”.

وأضاف التقرير أن ترامب أبلغ القادة بأن مستشاريه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف سيتابعان هذا الملف خلال الأسابيع المقبلة.

وفي منشور على منصة “تروث سوشال”، شكر ترامب دول الشرق الأوسط على “دعمها وتعاونها”، معتبرًا أن هذا التعاون “سيتعزز أكثر من خلال انضمامها إلى اتفاقات أبراهام التاريخية”.

كما طرح ترامب، وفق التقرير، فكرة انضمام إيران نفسها يومًا ما إلى “اتفاقات أبراهام”، وهو ما يتطلب اعتراف طهران بإسرائيل، الأمر الذي ترفضه الجمهورية الإسلامية منذ عقود، في ظل اعتبارها إسرائيل “عدوًا” والتزامها المعلن بالقضاء عليها.

وفي واشنطن، أعلن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المعروف بدعمه لتوسيع “اتفاقات أبراهام”، تأييده لطلب ترامب من القادة العرب والمسلمين. وكتب عبر منصة “إكس”: “إذا وافق حلفاؤنا العرب والمسلمون في المنطقة على الانضمام إلى اتفاقات أبراهام نتيجة هذه المفاوضات، فسيكون ذلك أحد أكثر الاتفاقات تأثيرًا في تاريخ الشرق الأوسط”.

ودعا غراهام السعودية والدول الأخرى إلى الاستجابة لطلب ترامب، محذرًا من أن رفض هذا المسار “سيترك تداعيات خطيرة على العلاقات المستقبلية مع الولايات المتحدة”، مضيفًا أن التاريخ قد يعتبر ذلك “خطأً استراتيجيًا كبيرًا”.

لكن التقرير أشار إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رغم إبدائه سابقًا استعدادًا للتطبيع مع إسرائيل، تراجع خلال العام الأخير عن هذا التوجه.

وكشف أن ترامب طلب من بن سلمان خلال لقائهما في المكتب البيضاوي في تشرين الثاني الماضي الانضمام إلى “اتفاقات أبراهام”، إلا أن ولي العهد السعودي رفض الأمر، ما أدى إلى توتر في الاجتماع.

وأضاف التقرير أن الحرب مع إيران، إلى جانب الخلاف السعودي – الإماراتي، دفعت الرياض إلى تبني موقف أكثر تشددًا وحذرًا تجاه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.

كما أكد مسؤولون سعوديون، بحسب التقرير، أن المملكة لا تزال تشترط التزامًا إسرائيليًا واضحًا وغير قابل للتراجع بمسار زمني لإقامة دولة فلسطينية مقابل التطبيع، وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية الحالية.

وأشار التقرير إلى أن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين يعتقدون أن الرياض لن تتخذ أي خطوة في هذا الملف قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أيلول المقبل، وقبل معرفة شكل الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي ستتولى السلطة.

ويعكس هذا التحرك الأميركي أن إدارة ترامب لا تنظر إلى الحرب مع إيران كملف أمني فحسب، بل كبوابة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والتحالفات في الشرق الأوسط، في مرحلة تبدو فيها المنطقة أمام خرائط جديدة تتجاوز حدود الحرب نفسها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version