تشهد الصناعة اللبنانية واحدة من أصعب المراحل في تاريخها، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار النفط عالميًا، وما نتج عنه من تضاعف كلفة تشغيل المولدات الكهربائية الخاصة، بالتزامن مع التداعيات الكارثية للحرب على لبنان، والتي أصابت القطاعات الإنتاجية والتصديرية في الصميم، وسط غياب أي خطة دعم فعلية من الدولة اللبنانية.

وفي حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أكد الوزير السابق فادي عبود أن “لا أحد كان قد وضع في حساباته هذا الارتفاع الكبير بأسعار المحروقات، سواء في القطاع الصناعي أو الزراعي، خصوصًا أن الزراعة أيضًا تعتمد بشكل كبير على البرادات والمولدات الكهربائية”، مشيرًا إلى أن “كلفة تشغيل المولدات تضاعفت تقريبًا، وهذا الأمر ترك أثرًا سلبيًا جدًا جدًا على مختلف القطاعات”.

ولفت إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع أسعار النفط، بل تترافق مع مشاكل أخرى يعاني منها لبنان، أبرزها التصدير وأكلاف الشحن، موضحًا أن “الكثير من البضائع اللبنانية لم تتمكن من الوصول إلى الكويت أو إلى عدة دول عربية، واضطرت بعض الشحنات للبقاء في مرافئ عالمية قبل إعادتها إلى لبنان، ما تسبب بخسائر كبيرة، إذ وصلت كلفة إعادة الحاوية الواحدة إلى لبنان إلى أكثر من 6000 دولار، قبل إعادة شحنها مجددًا إلى الجهة التي كانت مخصصة لها أساسًا”.

وأضاف عبود: “الجميع يعرف حجم المشاكل التي نعيشها، لكن السؤال الأهم: ماذا فعلت الدولة اللبنانية لمساعدة الصناعات كي تتمكن من الاستمرار؟ للأسف لم تفعل شيئًا على الإطلاق”.

وأشار إلى أنه كان بإمكان الدولة أن تبدأ بخطوات بسيطة عبر التواصل مع شركات الشحن اللبنانية “التي تُعتبر شركات محترمة”، والعمل معها لتخفيف أكلاف إعادة البضائع إلى لبنان أو خفض كلفة التصدير قدر الإمكان، حتى لو ارتفعت الأسعار بشكل طبيعي نتيجة الأزمة، “لكن على الأقل كان يمكن تخفيف الأعباء عن الصناعيين”.

وتابع: “الأفظع من ذلك أن هناك دولًا عربية، وعلى رأسها العراق، كانت ولا تزال مستعدة لمساعدة لبنان، كما فعلت سابقًا مع مؤسسة كهرباء لبنان، وكنا نتمنى من الوزراء المعنيين فتح باب التعاون مع العراق لاستيراد المازوت للصناعة اللبنانية بأسعار معقولة، ليس مجانًا، وإنما بأسعار تسمح للمصانع بالصمود وتجاوز هذه المرحلة الصعبة”.

وأوضح أن بعض الصناعات تُصنف ضمن “الصناعات كثيفة الطاقة”، حيث تشكل كلفة الطاقة ما بين 30 و40% من مجمل كلفة الإنتاج، ومنها صناعات البلاستيك والألمنيوم، إضافة إلى الصناعات الزراعية التي تعتمد على البرادات والفريزرات العاملة بالكامل على المولدات الخاصة.

واعتبر عبود أن “ردة الفعل الرسمية على الوضع المأساوي غير موجودة كليًا، وحتى من يريد أن يساعد لا يعرف ماذا يفعل”، لافتًا إلى أن الدولة كان بإمكانها التدخل واستيراد المحروقات مباشرة وتخزينها ثم بيعها للصناعيين بأسعار مقبولة ومدروسة، خصوصًا أن جمعية الصناعيين تملك دراسات دقيقة حول حاجة كل مصنع من المازوت، “ما يمنع أي استغلال أو تجارة غير مشروعة بهذه المواد”.

وأضاف: “هذا النوع من الخطوات كان من الممكن أن يسمح للمصانع بالاستمرار والمقاومة إلى حين عودة أسعار النفط العالمية إلى مستوياتها الطبيعية، لكن للأسف لم يحصل أي شيء من هذا القبيل”.

وكشف عبود أن عددًا كبيرًا من المصانع اضطر إلى وقف الإنتاج أو خفضه إلى الحد الأدنى، لأن “كلفة الإنتاج أصبحت أعلى من أسعار السوق”، موضحًا أن دول العالم الأخرى لم تشهد ارتفاعًا مماثلًا في أسعار الكهرباء والطاقة كما حصل في لبنان، في حين أن المصانع في تركيا والصين وغيرها لا تزال تحصل على الكهرباء بالأسعار نفسها تقريبًا التي كانت قائمة قبل الحرب.

وأشار إلى أن “الكثير من الدول العربية، مثل الإمارات والسعودية، لا تزال تدعم المحروقات والكهرباء للقطاع الصناعي”، ما جعل المنافسة شبه مستحيلة أمام المصانع اللبنانية.

وأضاف: “هناك مصانع خففت إنتاجها إلى الحد الأدنى، وهناك مصانع أخرى، وأنا منها، باتت تستورد البضائع الجاهزة من الخارج لأن الاستيراد أصبح أرخص من التصنيع المحلي”.

أما بالنسبة لتداعيات الحرب الإسرائيلية على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، فأكد عبود أن “الكثير من المصانع توقفت عن الإنتاج بالكامل، خصوصًا مصانع الجنوب وصيدا ومحيطها، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، بل أيضًا نتيجة الأوضاع الأمنية”.

وختم بالتشديد على أن الضرر اللاحق بالقطاع الصناعي “كبير جدًا وربما أخطر من أي وقت مضى”، لأن الصناعة اللبنانية تعتمد بشكل شبه كامل على المولدات الخاصة لتأمين الكهرباء، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع من دون أي تدخل رسمي سيؤدي إلى مزيد من الإقفالات وخسارة جزء أساسي من القدرة الإنتاجية اللبنانية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version