بدأت السعودية تنفيذ إجراءات مالية جديدة شملت وقف منح عقود جديدة لشركات استشارية غربية وتأخير بعض المدفوعات، في خطوة تعكس توجّهًا سعوديًا لإعادة تنظيم الأولويات المالية وحماية الاستقرار الاقتصادي في ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة والحرب مع إيران.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن الرياض أوقفت إصدار عقود جديدة لشركات استشارية غربية تعمل داخل المملكة، بالتزامن مع اتساع العجز المالي والتداعيات التي فرضتها المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع إيران على المنطقة وأسواق الطاقة.

ونقل التقرير عن مسؤولين في شركات استشارية أن القرار جاء بعد اندلاع الحرب مع إيران وما رافقها من تهديدات لإيرادات النفط السعودية، إضافة إلى استهداف إيران لجيرانها العرب بالمسيّرات والصواريخ.

وأشار التقرير إلى أن الخطوة تأتي ضمن مسار سعودي يهدف إلى تعزيز الرقابة على الإنفاق الحكومي والاستثمارات، بما يضمن استدامة مشاريع “رؤية 2030” التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وقال أحد المسؤولين التنفيذيين للصحيفة: “لم يُعلن القرار رسميًا، لكن الجميع يعرف ذلك ويتعامل على هذا الأساس”، مضيفًا أن السلطات السعودية أبلغت الشركات بشكل غير مباشر بأن وزارة المالية أوقفت الموافقة على أي عقود جديدة إلا بموافقات استثنائية مسبقة.

وأكد مسؤول تنفيذي آخر أن القرارات المتعلقة بالعقود الجديدة وتسديد الفواتير أُرجئت حتى نهاية الربع الثاني من العام الحالي، فيما أوضح مستشار آخر أن المملكة سبق أن اتخذت خطوات مشابهة خلال عام 2024 بهدف إعادة تقييم المشاريع وترتيب الأولويات.

وفي المقابل، نفت وزارة المالية السعودية وجود تأخير ممنهج في الدفع، مؤكدة أن “99.5%” من الفواتير خلال عام 2026 تم تسديدها ضمن المهل التعاقدية، مشددة على أن الحكومة تحرص على أن تحقق جميع الاستثمارات، بما فيها الخدمات الاستشارية، عوائد واضحة تتماشى مع أهداف “رؤية 2030”.

وأشار التقرير إلى أن السعودية تحولت خلال السنوات الماضية إلى سوق رئيسية لشركات الاستشارات العالمية مثل “ماكينزي” و”Boston Consulting Group” وشركات التدقيق والاستشارات الكبرى، في ظل المشاريع العملاقة التي أطلقتها المملكة لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط.

لكن مع ارتفاع العجز المالي وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بدأت الرياض مراجعة عدد من المشاريع الكبرى، ما أدى إلى تأجيل أو تقليص بعض الخطط، وبينها أجزاء من مشروع “نيوم” المستقبلي.

وفي الوقت نفسه، تستعد المملكة لاستحقاقات ضخمة، أبرزها استضافة “إكسبو 2030” وكأس العالم لكرة القدم عام 2034، ما يدفعها إلى اعتماد سياسات مالية أكثر دقة وانضباطًا.

وأوضح التقرير أن الحرب مع إيران دفعت السعودية أيضًا إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير البنية التحتية على البحر الأحمر، خصوصًا مع تنامي المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة ومضيق هرمز.

ورغم هذه التحديات، استفادت المملكة خلال الحرب من قدرتها على تحويل جزء كبير من صادراتها النفطية نحو ساحل البحر الأحمر، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا.

وأظهرت بيانات وزارة المالية السعودية أن العجز المالي ارتفع خلال الربع الأول من العام إلى 125.7 مليار ريال سعودي، أي نحو 33.5 مليار دولار، فيما ارتفع الإنفاق الدفاعي بنسبة 26%.

ويعكس هذا التوجه السعودي مقاربة جديدة تقوم على إدارة أكثر حذرًا للإنفاق، بما يضمن استمرار المشاريع الاستراتيجية الكبرى وحماية الاقتصاد السعودي من تداعيات الاضطرابات الإقليمية المتسارعة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version