“أعطونا وقف إطلاق نار وخذوا ما يدهش المفاوضين”.. هذه الكلمة نُقلت عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، فلا هو نفاها ولا أي طرف يمكن أن يُهمل مضمونها، خصوصاً أنها تحملُ معانٍ كثيرة في ظل الحرب التي يعيشها لبنان ضد إسرائيل.
الجملة التي نقلت عن بري تأتي مُشابهة لشعار أطلقه رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميّل قبل سنوات طويلة، وهو “أعطونا السلام وخذوا ما يُدهش العالم”. وفعلياً، فإنه في ظلّ الواقع الذي يعيشه بري، يعتبر كلامه مقدّمة لأي تسوية شرط إنهاء الحرب في لبنان، أي أنّ سلاح “حزب الله” سيُطرح على الطاولة للبحث بشكل جدي من دون أي مواربة. أيضاً، حينما نطق الجميّل بشعاره قبل سنوات طويلة، كان لبنان يعيشُ احتلالاً إسرائيلياً، فنادى بـ”السلام” لكنه لم يناد بالارتهان أو حتى بالتسليم لإسرائيل، وشتان بين السلام والتسليم.
في الواقع، إن نظرنا إلى كلام بري والجميّل معاً، سنصلُ إلى هدف واحد وهو تجنيب لبنان المزيد من الويلات حتى وإن اختلفت العبارات المعبرة عن ذلك، وحقاً هذا ما يطلبه اللبنانيون لاسيما جمهور “حزب الله” الذي بات يعيش واقعاً صعباً جداً بسبب نزوح دخل شهره الثالث.
ولكن، السؤال المحوري هو التالي: ما الذي يعنيه بري من كلامه؟ هل جملته تعني انفصالاً عن “حزب الله” أو انقلاباً عليه؟ هنا، فإن وجهتي نظر تبرزان في الطليعة، الأولى تقولُ إن برّي لم يعد يتحمّل ثقل سلاح “حزب الله” على طائفة بأكملها، فهو الذي ساهم ببناء الجنوب طيلة 40 عاماً، يشاهد خسارة ما صنعه في لحظات بسبب حربٍ بدأت ولم تنتهِ بعد. فعلياً، يحملُ بري الكثير من الضغوط خصوصاً أن شعبه بات مشرداً أيضاً، في حين أنّ النزوح أرهق كاهل الكثيرين، وباتت الفاتورة التي يدفعها “حزب الله” كثمنٍ لفتحه الحرب، تُدفع أيضاً من قبل جمهور حركة “أمل” الرافض لكل المشهد الحالي.
في المقابل، هناك وجهة نظرٍ أخرى تتقاطع مع معلومات، وتفيدُ بأن العلاقة بين بري و”حزب الله” توطدت أكثر من السابق في ظل الحرب الحالية، وتقول مصادر سياسية مقربة من “الثنائي” إنّ بري نال “غطاء من حزب الله للتفاوض، وبالتالي كلمته التي نطق بها تأتي في هذا الإطار”، ما يعني أنّ “الحزب” قد يذهب في أي لحظةٍ لمناقشة سلاحه بعد إعلان وقف إطلاق النار.
تكشف المصادر أنه يجري حالياً البحث في الأروقة الداخلية عن إمكانية طرح استراتيجية دفاعيّة يُبحث من خلالها سلاح “الحزب”، ولكن شرط توافر أمرين: انتزاع التزام تام من إسرائيل بوقف اعتداءاتها على لبنان وعملياتها ضد “حزب الله”، وثانياً ضمان انخراط “حزب الله” أكثر في الدولة
اللبنانية على غرار ما حصل مع حركة “أمل” إبان توقيع اتفاق الطائف عام 1989.
وبذلك، يكونُ المنحى الذي يسلكه الحلّ سياسياً أكثر من كونه مرتبطاً بحل عسكريّ، في حين أنّ مناقشة استراتيجية دفاعية قد تنزعُ فتيل نزاع داخلي، ذلك أن هذا الطرح سيُناقش بجدية هذه المرة مع سلوك طريق يرتبط باتفاق أمنيّ مع إسرائيل يضعُ حداً لكل الاعتداءات.
إذاً، في خلاصة القول، فإنّ مسار الحل في لبنان يرتبط حالياً بمناقشة استراتيجية دفاعية مدعومة باتفاق أمني لبناني – إسرائيلي لا بُد منه، بينما رهان الدولة اللبنانية اليوم على فصل الجبهات وإبعاد لبنان عن محور إيران، وهذا الأمر إن حصل، سيمثل نقطة متقدمة للدولة في ذروة حربٍ تُحاك حلولها بين الألغام.
