كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
تكشف القراءة المتأنية لميزانية مصرف لبنان الصادرة في منتصف شهر أيار 2026 عن حالة من الاستقرار الرقمي الذي قد يحمل في طياته دلالات مضللة إذا لم يُوضع في سياقه الزمني والنقدي الصحيح. فبينما تظهر الأرقام ثباتاً نسبياً في الاحتياطات، تبرز كواليس العمليات المالية المرتقبة في نهاية الشهر لتضع هذا الاستقرار تحت اختبار الحقيقة، خاصة في ظل تزايد الضغوط الناتجة عن الالتزامات الدورية تجاه القطاع العام والمودعين على حد سواء.
اقرأ أيضاً خاص- “مُقامرة” المليارات أم خُطة العبور؟.. سرُّ “القَفزة” التي قد تَحمي دولارات لبنان!
فخ التوقيت واستحقاقات نهاية الشهر
تشير المعطيات المالية التي رصدتها JNews Lebanon إلى أن الاحتياطات المعلنة في منتصف الشهر لا يمكن اعتبارها مؤشراً نهائياً لسلامة الوضع النقدي، ذلك أن الأسبوع الأخير من كل شهر يشهد استنزافاً كبيراً للسيولة الدولارية نتيجة تزامن دفع رواتب القطاع العام التي تناهز ربع مليار دولار مع مستحقات المودعين المستفيدين من التعميمين 158 و166. إن هذا التدفق النقدي الخارج من خزائن المركزي يفرض انتظار أرقام نهاية أيار لتبين الخيط الأبيض من الأسود، ولتحديد ما إذا كان الارتفاع الطفيف في الاحتياط هو نتيجة تراكم فعلي أم مجرد “فائض مؤقت” يسبق العاصفة المالية الدورية.
لغز الـ 9 مليارات دولار وحجاب الشفافية
تتجه الأنظار اليوم إلى بند ودائع القطاع العام التي سجلت ما يعادل 9.3 مليار دولار، وهو رقم يثير من الهواجس أكثر مما يبعث على الاطمئنان. تكمن الإشكالية الكبرى في غياب الوضوح حول تركيبة هذه الودائع وتوزيعها بين الليرة اللبنانية والعملات الأجنبية، إذ إن بقاء هذا التفصيل طي الكتمان يحجب الحقيقة المرة المتمثلة في احتمال كون هذه الأموال مجرد أرصدة ورقية بالليرة لا تغطي احتياجات الدولة الفعلية بالدولار. وفي حال صحّت فرضية ضآلة المكون الدولاري في هذه الودائع، فإن الدولة ستجد نفسها مضطرة لتمويل إنفاقها من احتياطيات المصرف المركزي، وهو ما يعني عملياً استمرار النزيف من “كيس المودعين” وما تبقى من احتياطي إلزامي تحت مسميات الإنفاق العام الضروري.
اقرأ أيضاً خاص- المختصر القاتل: “L-DDR”.. جراحة دولية لنزع السلاح.. كواليس ما يخطط للبنان تكشف للمرة الأولى
الإنفاق العام وتهديد ما تبقى من احتياط
تضع JNews Lebanon علامات استفهام كبرى حول قدرة الدولة على الاستمرار في هذا النهج دون إفصاح مالي شفاف يفصل بوضوح بين العملات. إن الخطر الوجودي الذي يتهدد أموال المودعين يكمن في تحول الاحتياطي الأجنبي إلى “صراف آلي” لتغطية عجز الدولة عن تأمين دولاراتها الخاصة، مما يجعل أي نقاش حول التعافي الاقتصادي مجرد حبر على ورق ما لم تبادر السلطات النقدية إلى إعلان حقيقة الأرقام. الشفافية المطلوبة اليوم تتجاوز مجرد نشر ميزانيات صماء، لتصل إلى كشف الغطاء عن قدرة الدولة الحقيقية على تمويل ذاتها دون المساس بحقوق المودعين التي باتت تشكل خط الدفاع الأخير عن الاستقرار الاجتماعي.

