في وقت تتكثف فيه الاتصالات الدولية والإقليمية لاحتواء التصعيد جنوب لبنان، تبدو المفاوضات المرتبطة بوقف إطلاق النار وكأنها تسير على وقع تناقض كبير بين المسار الدبلوماسي والميدان العسكري. فبينما تتحرك الدولة اللبنانية سياسيًا عبر القنوات الأميركية والعربية لمحاولة تثبيت التهدئة ومنع انهيارها، يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية والتصعيد الميداني، ما يثير تساؤلات متزايدة حول حقيقة أهداف إسرائيل من التفاوض، وما إذا كانت تل أبيب تسعى فعلًا إلى اتفاق مستقر، أم أنها تستخدم المفاوضات غطاءً لاستكمال مشروعها العسكري في الجنوب.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي نضال السبع، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن السلطة اللبنانية “تبذل جهودًا حقيقية على المستوى الدبلوماسي”، لكنه يعتبر في المقابل أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو “يمتلك مشروعًا واضحًا يقوم على التفاوض بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية على الأرض”.

ويشير السبع إلى أن نتنياهو “يعتبر أن الضغط العسكري على حزب الله، وإضعاف قدراته العسكرية، وزيادة الضغط على بيئته الحاضنة، كلها عناصر تساعد الدولة اللبنانية في المسار التفاوضي”، معتبرًا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يتعامل مع الحرب بوصفها أداة تفاوضية بحد ذاتها.

وفي المقابل، يرى السبع أن “حزب الله لا يستطيع اليوم وقف إطلاق النار بشكل كامل، خصوصًا في ظل سياسة التهجير التي تنفذها إسرائيل في جنوب لبنان”، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز مجرد عمليات عسكرية متفرقة، ليصل إلى مستوى “مشروع إسرائيلي متكامل يستهدف جنوب لبنان”.

ويلفت إلى أن الإسرائيليين “تحدثوا علنًا عن إقامة منطقة عازلة تتجاوز 10 كيلومترات”، مشيرًا إلى أن إسرائيل تعمل منذ آذار الماضي، وخلال مرحلة “حرب الإسناد”، على تدمير هذه المنطقة بشكل واسع ومنهجي.

وبحسب السبع، فإن “كل الطروحات الإسرائيلية التي تتحدث عن انسحاب لمدة عامين تؤكد عمليًا عدم وجود نية فعلية للانسحاب، بل تعكس استمرار المشروع الإسرائيلي في الجنوب اللبناني”.

ويطرح السبع تساؤلًا أساسيًا: “كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تفاوض إسرائيل في ظل هذه المعطيات؟”، معتبرًا أن بيروت “لا تملك الكثير من الخيارات، وهي تعوّل بشكل أساسي على الولايات المتحدة الأميركية، لأنها تدرك أن كل أوراق الضغط موجودة لدى الإدارة الأميركية”.

ويضيف أن الدولة اللبنانية تراهن على أن “تعمل واشنطن على بلورة حل ما في جنوب لبنان”، إلا أنه يبدي تشاؤمًا حيال هذا المسار، معتبرًا أن الإدارة الأميركية “تتقاطع في جزء من رؤيتها مع أفكار نتنياهو”، لا سيما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “يتجه إلى الاستحقاقات الانتخابية، ويحرص على عدم خسارة اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة”.

وفي موازاة ذلك، يشير السبع إلى أن الدول العربية، ولا سيما الخليجية والمملكة العربية السعودية، “قادرة على لعب دور ضاغط على الإدارة الأميركية”، معتبرًا أن أي ضغط عربي من هذا النوع “قد يدفع واشنطن إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لوقف عمليات التدمير والتصعيد”.

ويؤكد أن “الدولة اللبنانية ليست في وارد الذهاب إلى اتفاق سلام شامل أو توقيع نهائي مع إسرائيل”، إلا أنه يلفت إلى أن الاجتماعات الأخيرة في واشنطن أظهرت وجود “مسارين متوازيين: مسار أمني ومسار سياسي”.

ويرى أن نتنياهو “سيستغل هذين المسارين في الانتخابات الإسرائيلية المبكرة”، ولذلك “سيواصل الضغط العسكري بهدف دفع لبنان نحو تفاهمات أمنية وعسكرية، مع تسويق هذه الوقائع داخل المجتمع الإسرائيلي لحصد مزيد من الأصوات”.

وبحسب السبع، فإن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد، إذ يعتبر أن “كلما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية ازدادت شراسة نتنياهو”، لأنه يريد أن يظهر بصورة “الرجل القادر على تأمين الحماية للإسرائيليين”.

ويشير إلى أن هذا الأمر “يترجم يوميًا في جنوب لبنان، سواء عبر تكثيف العمليات العسكرية أو من خلال تنفيذ عمليات اغتيال”، معتبرًا أن هذه العمليات “ترفع من شعبية نتنياهو داخل المجتمع الإسرائيلي”.

كما يتوقف السبع عند الدور الأميركي، مشيرًا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سبق أن تحدث عن “المنطقة الاقتصادية” خلال مرحلة حرب الإسناد، كما أن اتفاق 27 تشرين الثاني “أعطى إسرائيل هامشًا واسعًا لتنفيذ عمليات عسكرية إذا تحدثت عن وجود معلومات تتعلق بتحركات حزب الله”.

ويعتبر أن واشنطن “أعطت إسرائيل هذا الحق ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، من دون منح لبنان حقًا مماثلًا”، ما يعني، بحسب تعبيره، أن “ترامب أطلق يد نتنياهو في لبنان وسوريا وحتى غزة”.

ويضيف أن المفارقة تكمن في أن ترامب “هو نفسه الذي رعى تفاهمات وقف إطلاق النار وسوّق لخطة غزة”، إلا أن الوقائع الميدانية تظهر أن إسرائيل “لا تزال تتحرك بحرية كبيرة في غزة ولبنان وسوريا”.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version