في مدينة تختلط فيها الأزمات الاجتماعية بالضغوط الاقتصادية والانفلات العمراني، عاد ملف البسطات والتعديات إلى واجهة النقاش في طرابلس، بعدما تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الملفات حساسية وتشعبًا، وسط انقسام واضح بين من يعتبر أن هذه الظاهرة تشكل “متنفّسًا معيشيًا” لعشرات العائلات الفقيرة، وبين من يرى أنها تسببت بفوضى عارمة ألحقت أضرارًا مباشرة بأصحاب المحال التجارية والأسواق النظامية.
ومع تزايد التوترات المرتبطة بهذا الملف، لا سيما بعد حادثة إحراق عربة عصائر في منطقة قبر الزينة وما أثارته من سجالات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت بلدية طرابلس ترفع سقف خطابها حيال المرحلة المقبلة، متحدثة عن إجراءات أكثر حزمًا بعد عيد الأضحى لإعادة تنظيم الشوارع والأسواق ووضع حد للتعديات التي باتت، بحسب البلدية، تهدد صورة المدينة وحركة التجارة فيها.
وفي هذا السياق، أكد رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن ملف البسطات يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا داخل المدينة، نظرًا لارتباطه المباشر بالأوضاع الاجتماعية والمعيشية الصعبة التي يعيشها عدد كبير من المواطنين.
وأوضح كريمة أن الانقسام القائم حول هذا الملف يعود إلى وجود وجهتي نظر متناقضتين، الأولى تعتبر أن البسطات تؤمن مصدر رزق للفقراء والعائلات المحتاجة، فيما ترى الجهة الأخرى أنها تسببت بفوضى كبيرة وأضرار مباشرة بالمحال التجارية التي تدفع بدلات إيجار ورسومًا قانونية ولا تستطيع منافسة الأسعار التي تعرضها البسطات المنتشرة أمامها.
وأشار إلى أن أصحاب المؤسسات التجارية يشتكون بشكل متكرر من الخسائر التي يتكبدونها نتيجة هذه الظاهرة، معتبرًا أن المنافسة الحالية “غير متكافئة”، خصوصًا أن الباعة على الأرصفة لا يتحملون الأعباء نفسها التي يتحملها أصحاب المحال النظامية.
وفي تعليقه على حادثة إحراق عربة العصائر في منطقة قبر الزينة، لفت كريمة إلى أن صاحب العربة “توجد بحقه مذكرات ومشكلات سابقة”، معتبرًا أن ما جرى يدخل ضمن “الاستعراض والتمثيل”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن البلدية تتعامل مع الملف بحذر شديد بسبب أبعاده الاجتماعية.
وقال: “نحن اليوم نغض النظر جزئيًا قبل العيد، لكن بعد العيد سيكون الوضع مختلفًا بالكامل، ولن تكون هناك خطوط حمراء في موضوع تنظيم التعديات”.
وكشف كريمة أن البلدية سبق أن أنشأت سوقًا شعبيًا قرب نهر أبو علي، بعد استئجار أراضٍ وتجهيزها لاستيعاب أكثر من 100 بسطة، في محاولة لتنظيم أوضاع الباعة وإبعادهم عن الطرقات والأرصفة الرئيسية.
إلا أنه أوضح أن الأزمة تفاقمت مجددًا بعدما عاد عدد من أصحاب البسطات الذين استفادوا من السوق الشعبي إلى افتراش الشوارع، فيما عمد بعضهم إلى تأجير الأماكن المخصصة لهم إلى آخرين، ما أعاد الفوضى إلى الواجهة وأفشل جزءًا من الخطة التنظيمية التي وضعتها البلدية.
وأكد رئيس البلدية أن الهدف ليس “قطع أرزاق الناس”، بل تنظيم المدينة وحماية حقوق الجميع، سواء أصحاب المحال التجارية أو الباعة أنفسهم، مشددًا على أن نجاح أي خطة يحتاج إلى تعاون المواطنين والتزامهم بالإجراءات التي يتم اتخاذها.
وختم كريمة بالتأكيد أن المرحلة التي ستلي عيد الأضحى ستشهد إجراءات أكثر حزمًا لتنظيم البسطات والتعديات، بهدف إعادة النظام إلى شوارع طرابلس وتحسين صورة المدينة والأسواق التجارية فيها.

