كتب طارق ابو زينب في نداء الوطن:

لم يعد مشروع ولاية الفقيه مجرد أيديولوجيا عابرة للحدود، بل تحوّل خلال العقود الماضية إلى منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الولاءات داخل المجتمعات العربية، مستندًا إلى أدوات عقائدية وأمنية وإعلامية مترابطة. فالنظام الإيراني لم يكتفِ بفرض رؤيته داخل إيران، بل عمل على تصديرها إلى الخارج، واضعًا التجمعات الشيعية العربية في قلب مشروعه التوسعي، عبر خطاب يقوم على نزع الهوية الوطنية وربط الانتماء السياسي والعقائدي بطهران.

ولا تكمن خطورة هذه المنظومة في محاولات الاختراق فحسب، بل في البنية الفكرية التي يقوم عليها النظام، حيث يُصوَّر كل مخالف باعتباره خارجًا عن الملة أو تابعًا للغرب، مع رفض أي شراكة فكرية أو سياسية حقيقية مع الآخر. هذه المقاربة، بحسب مراقبين، حوّلت التنظيمات المرتبطة بالحرس الثوري إلى أذرع جاهزة للتحرك الأمني والعسكري متى اقتضت الحاجة، حتى ولو جاء ذلك على حساب استقرار المجتمعات العربية.

وفي مؤشر خطير إلى حجم هذا النشاط، تمكّنت الأجهزة الأمنية في دول الخليج خلال الأسابيع الأخيرة من تفكيك ما لا يقل عن عشر خلايا إرهابية وتجسسية مرتبطة بالحرس الثوري و”حزب الله”، وذلك في سياق تصعيد إقليمي متزامن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وتؤكد هذه المعطيات أن المشروع الإيراني تجاوز منذ سنوات البعد العقائدي، لينتقل إلى مستويات أمنية واستخباراتية معقدة تستهدف زعزعة استقرار الخليج.

وفي هذا السياق، برزت القضية البحرينية باعتبارها أحد أخطر نماذج هذا الاختراق. إذ أعلنت السلطات البحرينية تفكيك تنظيم يتبنى نهج ولاية الفقيه ومرتبط بالحرس الثوري، يضم 41 شخصًا، إضافة إلى 11 عنصرًا موجودين في إيران، يشكلون حلقة الوصل بين طهران ووكلاء التنظيم داخل المملكة.

غير أن مصادر مطلعة كشفت لـ”نداء الوطن” أن بعض عناصر التنظيم موجودون في لبنان، وأن عددًا منهم يقاتل إلى جانب “حزب الله” في الجنوب، مع تسجيل سقوط مقاتلين بحرينيين خلال الأعمال القتالية.

وبحسب المعطيات البحرينية، فإن أعضاء التنظيم ينتمون إلى المجلس العلمائي المنحل، وقد أسسوا جماعة إرهابية تولّت مهام مرتبطة بتمويل الإرهاب والتخابر مع الحرس الثوري ومنظمات مسلحة في العراق ولبنان مصنفة على لوائح الإرهاب الأميركية، إضافة إلى تلقي تدريبات عسكرية منظمة بإشراف جهات مرتبطة بطهران.

وأوضحت وزارة الداخلية البحرينية أن التنظيم مارس ما وصفته بـ”الإرهاب المنظم” عبر استهداف أبناء الطائفة الشيعية بعمليات تغرير واستقطاب ممنهجة، شملت التغلغل داخل المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية والخيرية، بما فيها المدارس والحوزات ورياض الأطفال، بهدف ترسيخ ثقافة الولاء لولاية الفقيه على حساب الانتماء الوطني.

كما سعى التنظيم إلى السيطرة على الخطاب الديني وتسييسه داخل المساجد والمآتم والمناسبات الدينية، مع ممارسة الترهيب ضد القائمين عليه، إلى جانب جمع الأموال بطرق غير مشروعة وتحويلها عبر قنوات مرتبطة بالحرس الثوري لتمويل أنشطة داخل البحرين.

وفي موازاة ذلك، كشفت مصادر لـ”نداء الوطن” أن تحركات التنظيم كانت خاضعة لرصد أمني دقيق، مؤكدة أن الإجراءات المتخذة جاءت في إطار حماية الأمن الوطني البحريني. وأضافت المصادر أن التنظيم يرتبط مباشرة بـ”الحرس الثوري”، ويتقاطع في نشاطه مع “حزب الله” في لبنان، حيث التقى عدد من أعضائه الأمين العام السابق حسن نصرالله وقيادات بارزة في الضاحية الجنوبية. وتشير المعطيات إلى أن “الحزب” وفّر ملاذات آمنة لبعض المتورطين، كما ساهم في تمويل منصات إعلامية انطلقت من لبنان لاستهداف البحرين ودول الخليج، إضافة إلى تبادل معلومات حساسة شملت إحداثيات ومواقع استراتيجية استُخدمت في إعداد خرائط تفصيلية لمؤسسات بحرينية.

حرب خفية تدار من الداخل

ما تكشفه هذه الوقائع لا يقتصر على خلية أمنية معزولة، بل يعكس بنية متكاملة لمشروع اختراق طويل الأمد يعتمد على العقيدة والإعلام والعمل الديني والاجتماعي لبناء شبكات ولاء عابرة للحدود.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version