كشفت تقديرات استخباراتية أميركية سرية أن الحرب مع إيران منحت الصين أفضلية استراتيجية متزايدة على الولايات المتحدة، عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً، في تطور أثار قلقاً داخل البنتاغون بالتزامن مع زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين لإجراء محادثات حساسة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.

وبحسب تقرير للصحافي جون هادسون في “واشنطن بوست”، أعدّت مديرية الاستخبارات التابعة لهيئة الأركان الأميركية هذا الأسبوع تقييماً سرياً لرئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، يتناول كيفية استغلال الصين للحرب مع إيران لتعزيز نفوذها العالمي على حساب واشنطن.

ويستند التقرير إلى نموذج “DIME” الذي يقيّم أدوات القوة الأربع للدول: الدبلوماسية، والمعلومات، والقدرات العسكرية، والاقتصاد، في قراءة شاملة للتحركات الصينية خلال الحرب.

ووفق التقرير، باعت بكين أسلحة إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج خلال الحرب، في وقت كانت هذه الدول تحاول حماية قواعدها العسكرية ومنشآتها النفطية من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما أشار التقرير إلى أن الصين ساعدت دولاً عدة حول العالم في مواجهة أزمة الطاقة التي تفاقمت بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وهو الممر الذي كان ينقل نحو 20% من النفط والغاز العالمي قبل الحرب.

واعتبرت الاستخبارات الأميركية أن الحرب استنزفت مخزون الولايات المتحدة من الذخائر والصواريخ الاعتراضية، وهي قدرات أساسية في أي مواجهة محتملة مع الصين حول تايوان.

كما رأت أن الحرب أتاحت لبكين فرصة مراقبة أسلوب القتال الأميركي واستخلاص دروس عسكرية تساعدها في التخطيط لعمليات مستقبلية.

وأشار التقرير إلى أن الصين استثمرت أيضاً في الحرب إعلامياً وسياسياً، عبر وصفها بالنزاع “غير الشرعي”، في إطار محاولتها المستمرة لتقويض صورة الولايات المتحدة كقوة تقود النظام الدولي القائم على القواعد.

وفي رد على هذه التقديرات، نفى المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل وجود أي تحول في ميزان القوى العالمي لصالح الصين، معتبراً أن هذه المزاعم “خاطئة بشكل أساسي”.

بدورها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز إن الولايات المتحدة “دمّرت القدرات العسكرية الإيرانية خلال 38 يوماً فقط”، مضيفة أن الجيش الأميركي “لا يزال القوة القتالية الأعظم في العالم”.

أما السفارة الصينية في واشنطن، فأكدت أن بكين ملتزمة “بتعزيز السلام وخفض التصعيد”، معتبرة أن الأولوية الحالية يجب أن تكون منع عودة القتال بدلاً من “تشويه صورة الدول الأخرى”.

ونقل التقرير عن خبراء أميركيين أن الحرب مع إيران “تحسن بشكل كبير الموقع الجيوسياسي للصين”، إذ باتت بكين تستفيد من الانشغال الأميركي في الشرق الأوسط لتعزيز حضورها العالمي.

وأشار الباحث في “مركز الأمن الأميركي الجديد” جاكوب ستوكس إلى أن الحرب تمنح الصين فرصة لتقديم الولايات المتحدة كقوة “عدوانية ومتراجعة”، غير قادرة على تجنب الانخراط في حروب مكلفة ودامية في الشرق الأوسط.

كما تحدث التقرير عن مخاوف متزايدة لدى تايوان واليابان وكوريا الجنوبية بشأن قدرة واشنطن على التدخل عسكرياً في حال اندلاع مواجهة مع الصين، بعدما استنزفت الحرب جزءاً كبيراً من ترسانة الصواريخ الأميركية، ولا سيما صواريخ “باتريوت” و”THAAD” و”توماهوك”.

وفي المقابل، رأت بكين في أزمة الطاقة العالمية فرصة لتعزيز علاقاتها مع دول عدة، بينها تايلاند وأستراليا والفلبين، عبر تقديم مساعدات مرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا الخضراء.

وقال الباحث راين هاس من “معهد بروكينغز” إن الصين “تستغل الفرصة لإحداث شرخ بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين”، مؤكداً أن التحرك الصيني ليس عملاً خيرياً بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات الدولية.

ويعكس هذا التقرير حجم التحول الذي فرضته الحرب الإيرانية على المشهد الدولي، حيث لم تعد تداعياتها محصورة بالشرق الأوسط، بل باتت جزءاً من الصراع الأكبر على قيادة النظام العالمي بين واشنطن وبكين.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version