لم تعد العلاقات العاطفية في زمن الذكاء الاصطناعي مُنحصرة بين البشر فقط، بل باتت تتعداها إلى علاقة تنشأ بين الإنسان والـ “AI chatbot”، في ظاهرة تثير قلقاً متزايداً بشأن مستقبل التواصل الإنساني الحقيقي.
بحسب بحث أجرته Male Allies UK في بريطانيا، فإنّ 20% من المراهقين بين 12 و16 عاماً يعرفون شخصاً أقام علاقة عاطفية مع “روبوت دردشة” يعمل بالذكاء الاصطناعي، ما يعكس التحوّل المتسارع في طبيعة العلاقات لدى الأجيال الجديدة، وسط تحذيرات من تداعيات نفسية واجتماعية قد تصبح أكثر خطورة في السنوات المقبلة.
بعض المراهقين يُفضّلون التفاعل مع الـ AI chatbot لأنه يوفّر لهم “تحكّماً كاملاً” بالعلاقة، من دون رفض أو انتقاد أو انتظار، إذ يتعامل “الروبو” معهم بإيجابية دائمة ويكون متاحاً على مدار الساعة، وهو ما يمنحهم شعوراً بالراحة والسيطرة بعيداً عن تعقيدات العلاقات الإنسانية الواقعية.
“الروبو” إيجابي ولا يتنمّر
لا يقتصر اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي كبديل عن العلاقات الحقيقية على المراهقين فحسب، بل بات يشمل البالغين أيضاً، هذا ما تؤكّده الدكتورة فريال حلاوي الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، معتبرة أنّ الأمر يرتبط بمحاولة تعويض الفراغ العاطفي والاجتماعي في ظلّ “زمن متسارع” تراجع فيه التواصل الإنساني والتعاطف بين الناس بشكلٍ ملحوظ.
يبحث المراهق عبر الـAI عن “مساحة آمنة” بعيداً عن التنمّر والأحكام والتصنيفات التي يتعرّض لها من محيطه، خصوصاً أنّ “روبوتات الدردشة” لا تُصدر أحكاماً عليه ولا ترفضه، بل تمنحه شعوراً دائماً بالقبول والدعم، كما قد يلجأ إليها لتنظيم مشاعره أو التعبير عن غضبه والتخفيف من توتره. هنا تحذّر حلاوي من خطورة تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن البشر والعلاقات الاجتماعية، مشيرة “أنّ ذلك قد يقود إلى “كارثة”، لأنّ التواصل الحقيقي مع الناس يُعلّم الإنسان مهارات أساسية كالتعامل مع الأخطاء، الاعتذار، المطالبة بالحقوق، تقبّل الرفض، وتحسين أساليب التواصل”.
تمنح العلاقات مع “الروبوتات” المراهق شعوراً بأنه يتواصل مع شخص “مصمّم على طريقته”، يوافقه دائماً ولا يضعه أمام مواقف الرفض أو الاختلاف، الأمر الذي قد يدفعه تدريجياً إلى الابتعاد عن العلاقات الإنسانية الحقيقية. إلا أنّ الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، قد يؤثر على المهارات الاجتماعية لدى جيلي Z وAlpha، لأن التواصل مع البشر يُعلّم الإنسان كيفية قراءة تعابير الوجه، وفهم الإشارات الاجتماعية، والتعامل مع الرفض، وتطوير ردود الفعل الطبيعية داخل المجتمع، في حين أنّ الاعتماد المفرط على الـAI يضعف هذه المهارات، لأنّ المستخدم يبحث غالباً عن مساحة تمنحه الإجابات الإيجابية فقط من دون مواجهة حقيقية أو نقد.
مشاركة الخصوصية
وفي هذا الإطار، تلفت حلاوي إلى أنّ سهولة الحصول على المعلومات عبر الذكاء الاصطناعي تدفع المراهق إلى الاكتفاء بدور “المتلقي”، ما يساهم في تراجع استخدام مهارات التفكير والتحليل، ويؤدي، بحسب دراسات عدّة، إلى ما يُعرف بـ “الضباب الدماغي” أو “التعفّن الدماغي”.
وتُحذّر من خطورة مشاركة المراهقين والبالغين تفاصيلهم الشخصية والنفسية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشددة على أنّ هذه البيانات ليست بالضرورة في “مكان آمن”، وقد تتعرض للاختراق أو الاستخدام بطرق قد تشكّل خطراً على خصوصية المستخدم وحياته النفسية.
لا يزال الحدّ من تداعيات هذا الواقع ممكناً، عبر تعزيز التواصل الحقيقي داخل الأسرة والمجتمع وتشجيع الأطفال والمراهقين على خوض التجارب الواقعية والابتعاد عن الانغماس المفرط في العالم الافتراضي وفقدان التواصل مع الواقع.
