في وقت تتصاعد فيه الهجمات بالمسيّرات والمحلّقات الانقضاضية على الجبهة الجنوبية، وتتزايد الاعترافات الإسرائيلية بحجم الإرباك الذي تفرضه هذه الهجمات على الجيش الإسرائيلي، تعود المخاوف من انزلاق لبنان نحو مرحلة أكثر خطورة، خصوصًا مع الحديث الإسرائيلي المتزايد عن توسيع العمليات البرية داخل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع استمرار المفاوضات السياسية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.

ولم تعد التحذيرات الإسرائيلية تقتصر على التصريحات السياسية، بل باتت تنعكس مباشرة في التقارير العسكرية والإعلامية الإسرائيلية، بعدما أقرت “القناة 12” بأن “إسرائيل عادت إلى واقع المعادلات مع حزب الله”، وسط اعترافات متزايدة بعدم وجود “حل عملي فعّال” لمواجهة المسيّرات التي تحوّلت إلى أحد أبرز التهديدات اليومية على الجبهة الشمالية.

وفي هذا السياق، رأى الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن “مسيّرات حزب الله نجحت إلى حدّ ما في فرض إرباك ميداني على الجيش الإسرائيلي، لكن هذا النجاح يبقى تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا”، موضحًا أن الحزب “لم يتمكن حتى الآن من تحويل هذا الإنجاز التكتيكي إلى تغيير فعلي في موازين القوى”.

وأشار إلى أن المسيّرات “تفرض حضورًا يوميًا في الميدان وتستنزف الجنود الإسرائيليين نفسيًا وميدانيًا، خصوصًا مع اضطرارهم للبقاء بحالة ترقب دائمة”، إلا أنها “لا تغيّر الصورة العامة للحرب، لأن إسرائيل لا تزال تمتلك التفوق الجوي والسيطرة العملياتية الواسعة”.

وأضاف بالوكجي أن “إسرائيل، رغم اعترافها بصعوبة مواجهة بعض أنواع المسيّرات، وخصوصًا تلك التي تعمل عبر الألياف البصرية ولا يمكن التشويش عليها، لا تزال تعمل على تطوير قدراتها التكنولوجية والعسكرية، بالتوازي مع توسيع الضغط الميداني ورفع مستوى التهديد في الجنوب والبقاع”.

ولفت إلى أن “حزب الله يحاول عبر المسيّرات تثبيت معادلة ردع جديدة خلال مرحلة المفاوضات، وإثبات أنه لا يزال لاعبًا أساسيًا على الجبهة اللبنانية”، معتبرًا أن “تكثيف استخدام المحلّقات الانقضاضية يأتي أيضًا في إطار الضغط لتحسين شروط التفاوض غير المباشر مع إسرائيل”.

وأكد أن الاعتراف الإسرائيلي بعدم وجود حل عملي كامل للمسيّرات “لا يعني أن إسرائيل عاجزة استراتيجيًا”، موضحًا أن “هذا النوع من الحروب ظهر بوضوح في أوكرانيا، وكان يفترض بإسرائيل أن تستعد له منذ سنوات، لكنها فوجئت بسرعة تطور هذا التهديد على الجبهة اللبنانية”.

ورأى أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد العسكري، خصوصًا في ظل التقارير الإسرائيلية التي تتحدث عن استعدادات لتوسيع العمليات البرية داخل لبنان، قائلًا: “السيناريو الأقرب حاليًا هو توسيع إضافي للمنطقة العازلة، ليس فقط في الجنوب، بل ربما باتجاه مناطق أوسع، بالتوازي مع استمرار المفاوضات السياسية”.

وأضاف: “حتى مع وجود مسار تفاوضي، فإن التصعيد الميداني سيبقى مستمرًا، وربما نشهد عمليات عسكرية أوسع خلال الفترة الفاصلة عن نضوج أي تفاهمات سياسية أو أمنية”.

واعتبر بالوكجي أن نجاح المسيّرات في استنزاف الجيش الإسرائيلي “لن يكون كافيًا وحده لتغيير موازين الحرب استراتيجيًا”، مشددًا على أن “إسرائيل لا تزال تحظى بدعم أميركي وغربي واسع، إضافة إلى تفوقها الجوي وقدرتها على إدارة المعركة ميدانيًا”.

وأشار إلى أن واشنطن “قد تمنح إسرائيل هامش حركة أوسع في لبنان خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل محاولتها تعويض الإخفاقات التي واجهتها في ملفات إقليمية أخرى”، معتبرًا أن لبنان “لا يملك حتى الآن أوراق قوة تفاوضية كافية، سواء في ما يتعلق بالضمانات الأمنية المطلوبة إسرائيليًا أو بملف حصرية السلاح”.

وختم بالقول: “طالما أن ميزان القوى لا يزال مختلًا، وطالما أن المفاوضات لم تصل إلى تفاهمات واضحة وثابتة، فإن احتمال التصعيد يبقى مرتفعًا جدًا، والجبهة الجنوبية ستبقى مفتوحة على كل السيناريوهات خلال المرحلة المقبلة”.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version