تثير التحركات الإسرائيلية المتسارعة داخل قبرص الجنوبية قلقًا متزايدًا في تركيا وداخل الأوساط القبرصية نفسها، بعدما تحدثت تقارير عن توسع غير مسبوق للاستثمارات الإسرائيلية في الجزيرة، وصل، بحسب المزاعم، إلى شراء أجزاء واسعة من قرى كاملة، وسط تحذيرات من تغييرات ديموغرافية وأمنية تتجاوز البعد العقاري التقليدي.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون، نقلًا عن صحيفة “ميلييت” التركية وتحقيق لصحيفة “سكالا تايمز” القبرصية، فإن مستثمرين إسرائيليين وسّعوا نفوذهم بشكل كبير في قبرص اليونانية، إلى حد “الاستحواذ الفعلي” على قرى ومناطق كاملة.
وأشار التقرير إلى أن أجزاء واسعة من قرية “تروزينا” المهجورة في منطقة ليماسول جنوب قبرص جرى شراؤها مؤخرًا من قبل مستثمرين إسرائيليين، فيما ادعت الصحيفة القبرصية أن سكانًا محليين مُنعوا حتى من دخول كنيسة القرية.
وأثارت هذه التطورات ردود فعل سياسية داخل قبرص، حيث طالب عضو البرلمان القبرصي السابق جورج بيرديكيس السلطات بتقديم توضيحات علنية بشأن طبيعة الاستثمارات الإسرائيلية وحجمها.
وبحسب التقرير، فإن شركة مرتبطة بجهات إسرائيلية اشترت أراضي ومنازل واسعة في المنطقة، قبل أن تبدأ بهدم بعض المباني وتنفيذ أعمال تطوير كبيرة، ما أثار مخاوف محلية من تغيّر الطابع الاجتماعي والديموغرافي للمنطقة.
لكن الجدل لم يبقَ داخل قبرص فقط، بل تحوّل سريعًا إلى مادة سياسية وأمنية في تركيا، التي تنظر بقلق إلى تنامي التحالف الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص.
ونقلت صحيفة “ميلييت” عن السفير التركي السابق أولوتش أوزولكر قوله إن التعاون المتزايد بين إسرائيل واليونان وقبرص يهدف عمليًا إلى “تطويق تركيا” في شرق المتوسط.
ورغم اعتباره أن هذه الخطوات لن تؤثر استراتيجيًا على أنقرة على المدى البعيد، وصفها بأنها “خطوة مؤسفة”.
بدوره، قال البروفيسور حسام الدين إيناج من جامعة دوملوبينار إن قبرص اليونانية “تسير على خطى اليونان التاريخية”، وتتحول تدريجيًا إلى “قاعدة أمامية تخدم المصالح الغربية والإسرائيلية في الشرق الأوسط”.
وأشار التقرير إلى أن الحضور الإسرائيلي في قبرص لم يعد يقتصر على الاستثمارات العقارية أو التجارية، بل بات يشمل أيضًا أبعادًا أمنية وعسكرية متقدمة.
وبحسب الصحيفة التركية، تمنح السلطات القبرصية إسرائيل تسهيلات أمنية واسعة، بينها السماح باستخدام ميناء “ماري” وقاعدة “بافوس” الجوية من قبل القوات الإسرائيلية.
كما تحدث التقرير عن تعاون سياسي متزايد بين الطرفين، مشيرًا إلى أن وزارة الداخلية القبرصية وزعت مؤخرًا تعميمًا خاصًا على السلطات المحلية بشأن مكافحة “معاداة السامية”، وذلك عقب طلب تقدم به وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي.
وفي موازاة هذا التقارب الأمني والسياسي، سجل الحضور الاقتصادي الإسرائيلي في قبرص ارتفاعًا كبيرًا، إذ تشير التقديرات، بحسب التقرير، إلى وجود نحو 300 شركة مرتبطة بإسرائيل تعمل حاليًا في الجزء الجنوبي من الجزيرة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو قبرص أمام مرحلة جديدة من التحولات الحساسة، حيث يتداخل الاستثمار بالسياسة، والأمن بالعقارات، فيما تراقب تركيا بقلق تمدد النفوذ الإسرائيلي على بعد كيلومترات قليلة من سواحلها.
