في أعقاب التوترات الأمنية التي شهدتها أمس منطقة الكفاءات في الضاحية الجنوبية لبيروت، خلال تحرّك الجيش اللبناني لتوقيف مطلقي الرصاص وقذائف الـB7 في الهواء من قبل مناصري “حزب الله”، خلال تشييع أربعة شهداء، تتزايد التساؤلات حول أسباب امتناع الجيش عن الحسم الميداني المباشر لوقف هذه الممارسات، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة.
تؤكد مصادر مطّلعة لـ “ليبانون ديبايت” أن هذا السلوك “لا يعكس تقصيرًا من الجيش، بل يأتي في إطار عقيدة عسكرية واضحة تضع سلامة المدنيين في صدارة الأولويات”. وتوضح المصادر أن “العامل الأساسي الذي يقيّد حركة الجيش في مثل هذه الظروف هو الوجود الكثيف للمدنيين في مسرح الأحداث، وما يرافقه من خطر وقوع إصابات في صفوفهم”. فالحفاظ على حياة المدنيين يُعدّ مبدأً أساسيًا يتلقّاه العسكري منذ اليوم الأول في خدمته، ويُعتبر “خطًا أحمر” لا يمكن تجاوزه، حتى لو أدّى ذلك إلى تأخير المهمة أو تعليقها مؤقتًا.
وبحسب المصادر “يتجنّب الجيش الدخول في مواجهات مباشرة مع مسلحين عندما يكونون منتشرين بين المدنيين أو يستخدمونهم كغطاء، لما قد يستتبع ذلك من تداعيات خطيرة. وفي حال توافرت ظروف ميدانية مختلفة، كتمركز المسلحين في مناطق معزولة، فإن التعاطي كان سيأخذ منحى أكثر حزمًا، قد يصل إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة”.
انسحاب تكتيكي وتحديد هوية المتورّطين
في قراءة أمنية لما حصل، يشير الخبير العسكري العميد المتقاعد سعيد القزح في حديث لـ “ليبانون ديبايت”، أنّ “الجيش يعتمد استراتيجية تقوم على الانسحاب التكتيكي، ورصد العناصر المُخِلّة بالأمن، وجمع المعلومات حول هوياتهم وتحركاتهم، تمهيدًا لتنفيذ عمليات توقيف دقيقة لاحقًا، بعيدًا عن التجمعات المدنية. وقد أثبت هذا الأسلوب فعاليته في العديد من الحالات، حيث يتم توقيف المطلوبين تباعًا، حتى لو استغرق ذلك وقتًا. فالجيش وجميع الأجهزة الأمنية يعملون وفق القاعدة نفسها: “عدم تعريض المدنيين للخطر تحت أي ظرف”.
ويضيف القزح أن هذا النهج القائم على الاحتواء بدل المواجهة المباشرة لا يعني التساهل، بل “يندرج ضمن مقاربة أمنية طويلة الأمد تهدف إلى تفكيك الفوضى من دون الانزلاق إلى مواجهات واسعة قد تكون كلفتها البشرية مرتفعة”. ويشير إلى اعتماد المؤسسة العسكرية على العمل الاستخباراتي كركيزة أساسية، من خلال توثيق الوقائع، وتحديد هوية المتورطين، ومتابعة تحركاتهم، تمهيدًا لتنفيذ مداهمات نوعية في توقيت مدروس يحدّ من المخاطر.
تشديد العقوبات لتعزيز الردع
وفي المقابل، تبرز إشكالية فعالية المسار القضائي، إذ يرى القزح أن “الجهود الأمنية قد تفقد جزءًا من أثرها في حال غياب الأحكام الرادعة، في ظل تباين القرارات بين توقيفات محدودة وغرامات أو أحكام مخففة”. ومع ذلك، يبقى الفصل بين السلطات قائمًا، حيث ينتهي دور الأجهزة الأمنية عند تسليم الموقوفين إلى القضاء.
وفي ضوء ما شهدته الضاحية، يتضح أن هذه المقاربة ليست ظرفية، بل تعكس سياسة ثابتة تقوم على تجنّب التصعيد واحتواء التوتر، مع ملاحقة المخالفين تدريجيًا، بما يوازن بين فرض الأمن وحماية المدنيين.
ولا تقتصر التحديات على الجانب الميداني، بل تمتد إلى ظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات، التي لا تزال تُعتبر في بعض البيئات سلوكًا طبيعيًا. ويؤكد القزح أن الحدّ منها يتطلب “تعديل القوانين وتشديد وتطبيق العقوبات بحزم، إلى جانب دور القضاء في تعزيز الردع”.
ترسيخ الوعي
ويبقى العامل التربوي أساسيًا، من خلال ترسيخ الوعي لدى الأجيال الشابة بمخاطر هذه الممارسات، فيما يبرز دور القوى السياسية والحزبية، إذ أظهرت تجارب سابقة أن القرارات الحاسمة، كما حصل سابقًا عندما أصدر أمين عام حزب الله السابق حسن نصرلله قرارا منع فيه إطلاق النار في المناسبات، يمكن أن تؤدي إلى نتائج ملموسة بفعل التزام القواعد الشعبية.
هكذا تشكّل معالجة إطلاق النار العشوائي جزءًا من تحدٍ أوسع يواجه الدولة، ويختبر قدرتها على تحقيق التوازن بين إنفاذ القانون وتغيير السلوك المجتمعي.
