كتب فادي عيد في ليبانون ديبايت
يحاصر التصعيد الإسرائيلي في شمال الليطاني، والذي يتقاطع مع تأزّم سياسي لامس مستوى الخطر، استقرار الهدنة الشكلية القائمة، كما يهدّد ما تبقّى من توازن داخلي قابل للحياة، وفي ظلّ الغارات الإسرائيلية المتصاعدة وعمليات التهجير المتزايدة، بحيث يبدو جلياً أنّ منطق القوة الميدانية يسبق أي مسار تفاوضي، ويضعه أمام اختبار جدّيته وقدرته على الصمود.
الوقائع الميدانية لا توحي بأنّ إسرائيل في وارد تثبيت وقف إطلاق نار مستقرّ في المدى القريب، وأيضاً، فإنّ وتيرة العمليات العسكرية، التي تتصاعد يوماً بعد يوم، تشير إلى محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض قبل الإنتقال إلى طاولة التفاوض، وهذا النهج يضع لبنان الرسمي أمام معادلة صعبة حول كيفية إطلاق مفاوضات جدّية، فيما النار لا تزال مشتعلة، والخرق مستمر، والسيادة منتهكة بشكل يومي.
في المقابل، يتمسّك لبنان بشرط أساسي هو أن يسبق وقف إطلاق النار أي مفاوضات، بصرف النظر عن شكلها، هذا الموقف، الذي تحاول الرئاسة تثبيته بدعم من اتصالاتها مع واشنطن، يعكس إدراكاً بأن أي مسار تفاوضي بلا هدنة متينة سيكون مجرّد غطاء لاستمرار التصعيد، لا مدخلاً للحلّ، إلا أنّ هذا الشرط، بحسب مصادر ديبلوماسية، يصطدم بواقع مزدوج يتمثّل برفض إسرائيل لأي تهدئة قبل تحقيق أهدافها الميدانية من جهة، ورفض “حزب الله” العودة إلى قواعد الإشتباك السابقة من جهة أخرى.
فالعقدة الأساسية، تتابع المصادر، هي غياب التوافق الداخلي الذي تجاوز حدود التوتر بين الرئاسة اللبنانية و”الثنائي الشيعي، إلى قطيعة سياسية معطّلة للحوار، ما يهدد الهدنة ويضعف قدرة الدولة على التفاوض من موقع موحّد. وفي ظلّ هذا الانقسام، يصبح الالتزام بأي هدنة موضع شك، لأنّ أحد أبرز الأطراف المعنيين بها لا يشارك فعلياً في صياغتها.
إلى جانب ذلك، ترى المصادر، أن “حزب الله” يصرّ على ربط مسار الجنوب بسياق إقليمي أوسع، وتحديداً بالمفاوضات المرتبطة بإيران، حيث أن هذا الربط يسحب جزءاً من القرار اللبناني من إطاره الوطني، ويعقّد إمكانيّة التوصل إلى تفاهم سريع، إذ يجعل أي تهدئة رهناً بحسابات تتجاوز الحدود اللبنانية.
في هذا السياق، يبرز الدور الأميركي كعامل ضغط أساسي، يسعى إلى دفع الأطراف نحو مسار تفاوضي مباشر، غير أنّ المصادر، لا تتوقع أن يُثمر هذا الضغط المُستغرَب، تحوّلات واضحة في الموقف اللبناني الرسمي، المصرّ على رفض أي اتصال بين الرئيس جوزيف عون وبنيامين نتنياهو، في ظلّ استمرار العمليات العسكرية.
وتقول المصادر، إنّ واشنطن بدأت تُظهر تفهّماً للموقف اللبناني الداعي إلى تثبيت وقف النار، ولكن هذا التفهّم لا يعني بالضرورة القدرة على فرضه، خصوصاً في ظلّ الحسابات الإسرائيلية الميدانية، وتعقيدات الداخل اللبناني، وبين هذين العاملين، تبقى الهدنة القائمة أقرب إلى وقف هش لإطلاق النار، قابل للإنهيار عند أي تصعيد إضافي.
ويضع هذا الواقع لبنان أمام ثلاثة احتمالات لا رابع لها، تحدّدها المصادر كالتالي: إما الإنزلاق إلى مواجهة أوسع بفعل استمرار التصعيد، والبقاء في حالة “اللاحرب واللاسلم” ضمن هدنة هشّة طويلة، أو النجاح في فرض وقف إطلاق نار فعلي يمهّد لتفاوض جدّي.
غير أنّ المصادر ذاتها، ترجّح أن أياً من هذه السيناريوهات يبقى مرتبطاً بعاملين حاسمين، سلوك إسرائيل الميداني، وقدرة الدولة اللبنانية على توحيد موقفها الداخلي، ما يرجح حظوظ السيناريو الأسوأ وهو السيناريو الحالي لا حرب ولا سلم، فالهدنة إلى تمديد آخر، لكنها لن تكون سوى استراحة مؤقتة في مسار تصعيد مفتوح، قد يدفع فيه أي خطأ في الحسابات، إلى ما يحاول لبنان الرسمي تفاديه، وهو الإنزلاق إلى مواجهة جديدة، بشروط أكثر قسوة وتعقيداً.
